ما الذي يقوله كارل ماركس لنا اليوم*

 

Hans – Werner Sinn: Was uns Marx heute noch zu sagen hat

 

ترجمةد. حامد فضل الله و فادية فضة

 

خسرت الاشتراكية المنافسة مع الرأسمالية نتيجة عدم الكفاءة والتعسف في محاولة إدارة الاقتصاد بالتخطيط المركزي ألأوامري ورفض اعتماد الحوافز المادية. وعندما اتضح الاستعصاء لآخر الحاكمين، انهار النظام. فهل عفا حينذاك  الزمن على ماركس؟ كلا، وعلى الإطلاق. لقد توقع ماركس حصول الثورة الاشتراكية، ودعا لها في حين انه كتب القليل جدا عنها حاصراً اهتمامه بشكل رئيسي في تشريح عمل نظام اقتصاد السوق الرأسمالي. لقد دحضت نظرية اقتصاد السوق الرأسمالي العديد من مزاعم ماركس. لم تحظ مفاهيم ماركس والقيم التي خلص إليها في تحليلاته، بالإجماع العلمي العام وهو الأمر الذي حظي به ما توصل إليه ماكس فيبر في علم الاجتماع من خلاصات وإحكام عامة. ومع ذلك، فقد خلص ماركس إلى العديد من الأفكار المهمة التي أغنت البحوث والاستنتاجات على صعيد تطور النظرية الاقتصادية العامة والعلوم الاجتماعية الأخرى.

 

الوجود يحدد الوعي

ويتجلى هذا أولا في الأطروحة الأساسية لماركس التي تناقض نظرية هيغل القائلة بأن الوعي يحدد الوجود، في حين يؤكد ماركس على أن الوجود هو الذي يحدد الوعي، بمعنى أن الشروط الموضوعية لعلاقات الإنتاج هي التي تحدد في نهاية المطاف البنية الفوقية الأيديولوجية كما تتجلى في شكل الدولة والرأي العام والقوانين السائدة. كما لا توجد أولوية للسياسة على قوانين الاقتصاد. بل تحدد القوانين الاقتصادية الإطار، الذي من خلاله يمكن للسياسة أن تتحرك. وتكرر الفشل الاقتصادي لكافة الأنظمة التي لم تأخذ بالقوانين الموضوعية للسلوك البشري ولندرة الموارد الطبيعية، وتصرفت محكومة برغباتها الذاتية انطلاقا من تصوراتها الأيديولوجية كما الدينية أو الأخلاقية. والمصير الفاشل الذي انتهى إليه “النظام الشيوعي” خير دليل على ذلك. وهذا ما يشير بدوره إلى فشل استنتاج ماركس القائل بحتمية الانتقال إلى الاشتراكية من جهة، في حين انه يدل من جهة ثانية إلى صحة أطروحته الأساسية القائلة بسيادة العلاقات الاقتصادية على ما سواها.

الاقتصاديون غالبا ما يختلفون بشأن هذه المسألة مع السياسيين، الذين يروجون بألسنتهم دائما لأولوية السياسة على الاقتصاد . ومن دواعي السخرية أن العديد من السياسيين اليساريين على وجه التحديد، يروجون لضرورات التدخل السياسي في مجريات السوق، في حين يشير الاقتصاديون إلى هيمنة القوانين الاقتصادية وعدم جدوى التدخلات السياسية لعدم فعاليتها ولمردوداتها العكسية أحيانا. وتحضر هنا أمثلة من نمط: وضع قانون” الحد الأدنى للأجور”، مظلة الإنقاذ الأوروبية، تحديد دور البنك المركزي الأوروبي (ECB \ EZB) أو قواعد استيعاب المهاجرين في الدولة الاجتماعية. وتلقى هذه الاقتراحات حاليا تجاوبا واسعا. والاقتصاديون يتماهون مع ماركس في قناعاتهم بأولوية القوانين الاقتصادية على أماني السياسة ووسائل الإعلام. ولذلك يقف الاقتصاديون في الغالب أقرب إلى ماركس من أولئك السياسيين الذين يوالونه بشكل خاص.

لا يفترض القول بأولوية القوانين الاقتصادية على السياسة، إمكانية تخلي المرء عن دور الدولة. إذ أن اقتصاد السوق لا يعني الفوضى، وإنما يتطلب إطارا قانونيا متينا يمكنه من العمل.

وتأتي أهمية كل من القانون المدني والقانون الجنائي في المقام الأول، لأن الشرط الأساسي لتبادل فعال للسلع والخدمات هو ضمان حقوق الملكية لتلك السلع والخدمات. فلا يمكن للأسواق أن تُدفق نعمها الوفيرة إلا على تأمين حقوق الملكية على السلع كما على عوامل الإنتاج ـ من العمل إلى السلع الرأسمالية بما في ذلك الأرض ـ وكما توجد مجالات في السوق يجب أن تُستكمل عبر تدخل اقتصاد الدولة، مثل مجال البيئة، فعندما تحدث أخطاء لا يمكن للأسواق أن تتحمل تبعاتها مثل إنتاج المواد الملوثة، أو مثل انجاز السلع العامة ذات النوعية والمواصفات المشتركة ــ الأمثلة الكلاسيكية على ذلك هي بناء الطرق والجسور والسدود ــ وأخيرا، في حال فشل السوق في توفير نظام عادل لتوزيع الدخل، الأمر الذي يوجب استكمال اقتصاد السوق عبر الدولة الاجتماعية لضمان إعادة توزيع الدخل بين الأغنياء و الفقراء.

يشير ماركس إلى أن قاعدة الاقتصاد في حالة تطور باستمرار، في حين تستمر البنية الفوقية الأيديولوجية المعبرة عن آراء الطبقة الحاكمة – ويمكن هنا الحديث عن “المكون السياسي ـ الإعلامي ” – على جمودها. ويفضي هذا الجمود مع مرور الوقت إلى تزايد التوترات الاجتماعية، وفي نهاية المطاف إلى الاضطرابات، التي قد تنتهي إلى الثورة.

ويؤكد  في يومنا الراهن على صحة ما خلص إليه كارل ماركس في مقولته آنفة الذكر، ما انتهت إليه في عام 2016 نتائج الاستفتاء في بريطانيا (بريكست) والانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية (ترامب) بفضل ضغوط الطبقات الدنيا والوسطى المعترضة والرافضة للسياسات الممارسة من قبل الفئات الحاكمة على صعيد كل من العولمة والهجرة.

لجأ “المكون السياسي ـ الإعلامي” لتبرير الصدمة العامة الناتجة عن الواقع آنف الذكر بردها لتأثير الشعبويين، متناسياً التلازم الثابت بين الشعبوية والنظام الديمقراطي. وهو يروج بذلك إلى أن الشعبويين هم دائما الآخرون، أي الذين لم يصلوا إلى السلطة بعد ويرومون احتلال المواقع المغرية والوظائف الكبيرة في جهاز الدولة حتى على أشلاء زملائهم ضمن الحزب الواحد.  يا له من توصيف خاطئ، يعبر عن استمرار الطبقة الحاكمة في عدم تفهم الحراك المعارض لها وخاصة في حال تعرض وجودها في السلطة للخطر.

لا يعني انتخاب دونالد ترامب ولا الاستفتاء لصالح خروج المملكة المتحدة من عضوية الاتحاد الأوروبي (بريكست) التعبير عن ثورات بالمعنى الماركسي. بل تشيران إلى تحولات تعبر عن انفصام متنام بين: البنية الفوقية الأيديولوجية والأساس الاقتصادي في كلا البلدين . ولذلك يعبر المروجون للأهمية الحاسمة لكل من فنون التضليل الممارس من جهة و للقصور التي تميزت بها شخصية ترامب من جهة أخرى، عن فهم سطحي لمعطيات الواقع في كل من البلدين.

 

ماركس كاقتصادي

تتجلى في “نظرية قيمة العمل” أكبر الأخطاء العلمية لماركس، فهي وضعت بدافع أيديولوجي وذلك لتعليل نظرية فائض القيمة والاستغلال. فهو يخطئ في استنتاجه القائل بأن مستوى أسعار البضائع في اقتصاد السوق إنما يحددها الوقت المبذول لإنتاج السلع. ويكمن الخطأ أولا في أن الأجور تشكل واحدة من جملة عناصر التكلفة للشركة المنتجة وثانيا إن الأسعار هي أسعار حجم وفرة البضائع المعروضة في السوق( العرض والطلب) والمواصفات التفضيلية لمكوناتها أيضا ولمدى تنامي الطلب والتنافس عليها في السوق. لذلك يصح التساؤل على سبيل المثال، عن علاقة سعر لوحة لـ رامبرانت مع أجر الصان ) الفنان(؟ وما علاقة سعر النفط مع أجور العمال في الآبار النفطية؟ لا شيء، أو لا شيء تقريبا.

إن غالبية الاقتصاديين الانجلوـ سكسونيين لا ترى في ماركس مساهما أساسيا في بناء وبلورة الفكر الاقتصادي ليس بسبب “نظرية قيمة العمل” فحسب، بل ولإخفاقه الفاضح في مجال نظرية التوزيع والتي ترتبط بها بشكل وثيق “نظرية أسعار التجزئة” والتي تشكل بدورها النظام الحاكم في علم الاقتصاد.

وأنا أخطئ هذا التقييم لتقديري بأن مساهمة ماركس الفعلية تتجلى في بلورة “نظرية الاقتصاد الكلي” . فهو كان تاريخيا أحد الأوائل من علماء الاقتصاد الكلي وقام بدور أساسي في تأسيس وإنشاء هذا الفرع اذ لم تكن لمصطلحات مثل “الدخل القومي”، “الاستهلاك” أو “الاستثمار” من قبله اي أهمية تذكر في علم الاقتصاد. لقد فهم ماركس وأوضح، بأن الدخل القومي هو عبارة عن مجموع قيمة السلع المنتجة حديثا ويستخدم للاستهلاك الجاري كما يستخدم لتراكم رأس المال. وما كان لجون ماينارد كينز (John Maynard  Keynes) أية إمكانية لتطوير نظريته حول أهمية “دور الطلب الكلي في استقرار الاقتصاد” بمعزل عن استخدامه لتصورات مركبة مماثلة.

نجح ماركس في المجلد الثاني من عمله الرئيسي “رأس المال” وبفضل تشريحه لنظرية الاقتصاد الكلي بتطوير “نظرية النمو”، التي أضحت في الجوهر المقدمة لكل” نظريات النمو” القائمة على العلاقة الثابتة بين رأس المال و”الناتج الإجمالي” والتي طورها كل من إفسي دومار (Evsey Domar) و بول رومر (Paul Romer). وأظهر ماركس في نظريته هذه وباستخدام الحسابات التفصيلية بأن النمو لا يتحقق عموما بفضل الاستهلاك، وإنما من خلال الزُهد في الاستهلاك، أي من خلال الادخار وتراكم رأس المال. وبقدر ما تتنامى النسبة من الدخل القومي للتوفير والاستثمار، يرتفع معها معدل النمو الاقتصادي.

حاول الاتحاد السوفيتي في فترة ما بعد الحرب أن يضع على أساس من نظرية ماركس للنمو، إستراتيجية يتجاوز بها الغرب. وإن لم تتكلل هذه الجهود بالنجاح فمرد ذلك لعدم مراعاة أهم الشروط التي أكد ماركس على ضرورة توفرها لضمان العلاقة النسبية بين معدل الادخار من جهة ونسبة النمو المأمولة من جهة أخرى والتي تتمثل بدورها بتوفر جيش احتياطي صناعي كبير بما فيه الكفاية من العاطلين عن العمل الأمر الذي يضمن بدوره زيادة قوة العمل المستخدمة بما يتناسب مع نمو رأس المال المستثمر .إن تواتر نمو رأس المال بأسرع من وتيرة نمو العمالة المطلوبة واستحالة التوسع النسبي الموازي في مواقع الإنتاج مما يجبر هذه إلى الأخذ بأساليب توفر في قوة العمل، الأمر الذي يضعف بمجمله حافز النمو المتوقع بنتيجة تراكم رأس المال وبذلك لا تصح معادلة ماركس إلا بصيغة معدلة.

وهذا ما خلص إليه أيضا ماركس في تحليله الذي ضمنه بالتفصيل في الجزء الثالث من “رأس المال”، الذي حرره وأصدره بعد وفاته “انجلز ” ..لقد فسر ماركس “نموذج النمو” كما وصفه في “المجلد الثاني من رأس المال”، والمستند إلى نسب ثابتة على أنه مجرد أفكار وسيطه على طريق إنضاج نموذج للنمو يتميز بتصاعد تكثيف رأس المال في الإنتاج. وتحدث في هذا السياق عن تنامي “التركيب العضوي لرأس المال”، أي زيادة العلاقة بين رأس المال الثابت والمتحرك، أو بلغة اليوم: توثيق العلاقة بين الرأسمال الإنتاجي وقوى العمل.

 

دور الطلب

لم يكن اهتمام ماركس موجها في الأساس لمعالجة شروط النمو وإنما لدراسة أسباب نشؤ الأزمات الاقتصادية. فأن صح القول، بأن النمو ينتج حصرا عبر الادخار والاستثمار، إلا انه من المهم أيضا التنويه لدور الاستهلاك في تحجيم حركة الطلب الاقتصادية.  وقد يترتب على تعثر حركة الاستهلاك كما رأى ماركس بحق، نشؤ “أزمة قصور الاستهلاك” التي تدفع الاقتصاد إلى سلسلة من الاختناقات البنيوية. وفي هذا الإطار روج ماركس للنظرية التي عمل لاحقا جون ماينارد  كينز (John Maynard Keynes) على تطويرها والتي تؤكد على أهمية تطوير حركة الطلب في السوق والتي ساد الترويج لها والتركيز على أهميتها في السنوات الأخيرة لمواجهة النتائج السلبية أو العضوية لسياسة التقشف المزعومة في جنوب أوروبا.

لقد أسيئ تفسير ماركس وكذلك كينز عبر الزعم بأن إصرارهما على تعظيم دور الطلب في السوق، إنما يهدف حصرا إلى الزيادة في الاستهلاك العام وفي القوة الشرائية العامة أيضا. وهذا الادعاء يتنافى وحرص وتأكيد كلاهما على أن طلب الشركات على السلع الرأسمالية ومراكمتها يشكل مكوناً مهماً في صلب الطلب العام للسوق الاقتصادية الرأسمالية ويؤدي الإخلال بها إلى أزمات في الدورة الاقتصادية العامة.

 

نظرية ميل معدل الربح

تمثل نظريات الأزمات أهم مساهمات ماركس في تطوير علم الاقتصاد.

وتتقدم “نظرية ميل معدل الربح” على سواها من النظريات بما في ذلك “نظرية قصور الاستهلاك”. وعرض ماركس نظرية ميل معدل الربح في المجلد الثالث لـ “رأس المال” وتحتل موقعا مميزاً في الفكر الماركسي. وينخفض “معدل الربح” ــ الذي نسميه اليوم العائد الاقتصادي أو الريع ــ من وجهة نظر ماركس، في مسار التنمية الاقتصادية ويميل باستمرار إلى مستوى أدنى، نظرا لنمو التركيب العضوي لرأس المال بما يعني إمكانية تسارع تراكم رأس المال قياسا بمدى نمو القوى العاملة. وهكذا يتراكم المزيد من رأس المال بالنسبة للعامل الواحد دون أن ينعكس ذلك في زيادة الدخل.

توقع ماركس بأن استمرار انخفاض معدل الربح سوف يبلغ مستوى يصبح معه الريع متدنيا جدا بالنسبة لرجال الأعمال ، فيحجمون عن الإقدام على أية استثمارات جديدة. وعندما يبلغ التطور هذه النقطة يسود الإضراب العام عن الاستثمار مما يغرق الاقتصاد في أزمة تنتج بدورها إحجاما عن شراء السلع الاستثمارية وهو الأمر الذي يدفع المنتجين لهذه السلع أيضا إلى التوقف عن شراء المواد الأولية اللازمة لها… وهكذا تشمل كافة فروع الاقتصاد سلسلة من الأزمات المترابطة. إن قانون “ميل معدل الربح” يربط ما بين نظرية النمو وما يرافقها من زيادة للتركيب العضوي لرأس المال وبين نظرية الطلب ويتحول بذلك إلى نظرية الأزمة التكوينية الكامنة في صلب بنية النظام الرأسمالي .

تتجلى نظرية الأزمة بكل وضوح عبر تطور الأوضاع الراهنة. فاليوم تبرز بعد 150 عام على ماركس، علامات واضحة على انخفاض العائد على رأس المال على المدى الطويل. و بات دوران الفائدة سمة ثابتة منذ سنوات، وكذلك خضوع أجزاء من العالم مثل جنوب وغرب أوروبا وكذلك اليابان لأزمة مستمرة لا تتوافر أية مؤشرات إلى نهاية قريبة لها.

يفسر بعض الاقتصاديين، مثل كارل كريستيان فون فايتسكر (Carl Christian von Weizsäcker) أو لورانس سمرس (Lawrence Summers)، وزير الخزانة الأمريكي السابق، اتجاه الانحدار للفوائد المتدنية واستمرار الأزمة الاقتصادية التي تعم العالم الغربي منذ عام 2008، بأنها تعبيرا عن “الكساد العلماني”. وبلور هذا المصطلح ألفين هانسن (Alvin Hansen) ـ أحد معاصري كينز – وعلى الأرجح تحت تأثير ماركس في ثلاثينيات القرن الماضي (1930). تقول نظرية “الكساد العلماني” بأن الإنسانية قد استثمرت بالفعل أكثر من اللازم، بحيث أن نسبة عوائد المشاريع الاستثمارية اللاحقة لن تكون مرتفعة بما يكفي تغطية فائدة صفرية مضمونة. إن فائدة صفر لا يمكن تجاوزها إلى الأدنى بسهولة في الاقتصاد النقدي، لما يترتب على ذلك من إضراب عن الاستثمار وما يولده من ضمور إن لم يكن أزمة مستمرة.

ويتماثل كل هذا مع نظرية ميل معدل الربح، إلا أن الكتاب المعاصرين لا يدعون نتيجة لذلك إلى تغيير النظام، بل إلى تحفيز الطلب في سياسة الموازنة العامة للدولة. فإذا كان الطلب الخاص على السلع الرأسمالية غير كاف، وجب على الدولة تحفيز الطلب الكلي بوسائل الإنفاق الحكومي الممول بدوره عبر الديون، بما يعوض تراجع الطلب في السوق على الاستثمار. يحاجج فون فايتسكر، بأن تأمين معاشات التقاعد المؤسس على نظام الضريبة ـ هو في الجوهر دين مستتر على الدولة مثل ميزانيات الظل الأخرى ــ يوفر إمكانية الالتفاف على “سقف الديون” الأوروبي، بما يفيد حركة الطلب في السوق. وسوف يتراجع وباستمرار مستوى استهلاك الأجيال القادمة عن مستوى استهلاك الأجيال الحالية، الأمر الذي يضمن تعويض ما يترتب عن العجز في الطلب الحالي. ويدعو سامرس إلى التغلب أو إلغاء “سقف الديون” القانونية.

يأخذ اقتصاديون آخرون، مثل كينيث روجوف (Kenneth Rogoff) مخاطر الكساد العلماني بجدية أكبر فيطالب بضرورة التخلص من الكتلة النقدية بهدف تعظيم “الفائدة السلبية” لتصبح الاستثمارات الجديدة مربحة مرة أخرى. فلا يمكن في الاقتصاد النقدي وبمعزل عن خفض الكتلة النقدية الوصول بالفائدة إلى مستوى سلبي يوازي كلفة التخزين الذاتي للنقود، إذ لا ينتظر من أحد أن يقرض أمواله ويدفع فائدة عليها للمقترض أذا تمكن من تخزينها بنفسه وبكلفة أقل.

تلقت إدارة البنك المركزي الأوروبي نظرية الكساد العلماني بترحاب كبير لرغبتها في إنعاش الاقتصاد الأوروبي من جهة، خدمة لسياسة تهدف لإنقاذ البنوك والشركات المثقلة بالديون في جنوب أوروبا من جهة ثانية. الأمر الذي يتعارض مع الوظيفة المنتدبة لها.

حدد مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة لخدمة الودائع التي تديرها البنوك مع البنوك المركزية الوطنية، ودفع بهذه الفائدة منذ بعض الوقت إلى المستوى السلبي، وترتب على ذلك استقرار الفائدة السلبية في سوق التبادل بين البنوك. وكان يفضل على الأرجح الاستمرار بتكثيف هذه السياسة. إلا أن المشكلة تكمن في كتلة السيولة النقدية التي لا يسمح وجودها بمستوى للفائدة السلبية يتجاوز تكاليف تخزينها. فالمدخرون يفضلون إبقاء أموالهم معهم بدل إعارتها، حين يتجاوز سعر الفائدة السلبي تكاليف التخزين. وتمثل بذلك تكاليف التخزين الحدود القصوى للفائدة السلبية في الاقتصاد النقدي والتي لا يمكن لأي بنك مركزي تجاوزها.

ويبدو لنا اليوم بالفعل، أن سعر الفائدة السلبي قد بلغ منتهاه. إن كبار المستثمرين مثل البنوك وشركات التأمين والذين يملكون خيارات الاحتفاظ بالنقود بتكلفة منخفضة قياسا بالسعر الراهن لليورو، يخزنون الموجودات النقدية الضخمة المتوفرة لديهم للهروب من أسعار الفائدة السلبية. تشير بعض البنوك وبحذر إلى أنها تحتفظ بأوراق نقدية من فئة الـ 500 يورو تتجاوز قيمتها ما يزيد على عشرة مليارات يورو في مخازن ضخمة. وأعرب الرئيس التنفيذي المنتهية ولايته ل ميونيخ ري (Munich Re) ـ وهي أكبر شركة إعادة تأمين في العالم ـ نيكولاوس فون بومهارد (Nikolaus von Bomhard) وبكل صراحة في خطابه الوداعي عام 2016 بأن شركته تحتفظ ذاتيا بموجودات نقدية كبيرة لتجنب أسعار الفائدة السلبية. وهكذا ارتفع طلب البنوك و لدرجة كبيرة جدا على أماكن لتخزين رأس المال النقدي، بما في ذلك أنفاق المناجم السويسرية.

تشكل هذه المناورة “شوكة في عين” مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، فلجأ إلى تعقيدها حين قرر في عام 2016 سحب العملة الورقية من فئة 500 يورو تدريجيا من التداول في السوق، الأمر الذي دفع بمالكي المخزونات المالية، إلى اعتماد الأوراق النقدية من فئة 200 يورو، وارتفعت بذلك التكلفة إلى حوالي الضعفين ونصف، مما يكسب البنك المركزي وقتاً أكثر لإدامة أسعار الفائدة السلبية. وأن لم يكتف بذلك يمكنه اللجوء عندئذ إلى إلغاء الورقة النقدية من فئة 200 يورو، ويجبرهم على تخزين الورقة النقدية من فئة 100 يورو، وتتضاعف بدورها مجددا تكلفة التخزين. نعم، يمكن أيضا توقع الإلغاء التام للعملة النقدية بهدف القضاء على أية حواجز لاستمرار أسعار الفائدة السلبية

.

فقدان( القيمة ) والتدمير الخلاق

تحظى النظرية الماركسية حول ميل معدل الربح بمزيد من الاهتمام العام نتيجة لسياسة الفائدة السلبية التي يتبعها البنك المركزي الأوروبي. لقد انخفض معدل ربح الرأس المال بشكل كبير جدا كما يتجلى حاليا ولدرجة أن الشركات باتت لا ترغب في الاستثمار إلا إذا أمكن استدراجها لذلك، بإغداق المال عليها جزافا، ولربما أيضا مكافأتها بالأجر لقبولها تلقي الرساميل و ممارسة الاستثمار!! ومع ذلك، فمن نافل القول والمغالاة الاستعانة بماركس من أجل تشريح سياسة البنك المركزي الأوروبي، أولا لأنه لم يتحدث في السياسة النقدية وثانيا، لأنه يتحدث فقط عن “ميل معدل الربح”. وهو أن قام بذلك فلأنه تلمس دور قوى المعارضة العضوية التي تقاوم هذا الميل فتقوم بتوقيفه مؤقتا، إلى حين رفعه نهائيا. هنا تأخذ نظريته حول فقدان قيمة رأس المال أهمية خاصة.

يعبر ماركس من خلال “فقدان قيمة رأس المال” عن الفقدان النسبي المتواصل بفعل تطور “قيمة العمل”، الذي يفرضه التقدم التكنولوجي، والذي يمكن اختصاره بـ “زيادة الأجور نتيجة لنمو الإنتاجية”.

ويكرر ماركس دائما حديثه عن فقدان قيمة رأس المال بنتيجة الأزمات. كما أن فقدان قيمة رأس المال يدفع تلقائيا نسبة الربح إلى الأعلى، لأنها تخفض من مستوى المعدل الناتج عن العلاقة ما بين قيمة رأس المال والأرباح. وينتج ذلك أيضا بتأثير التقدم التكنولوجي الذي يتجلى على شكل شركات حديثة، ويمهد لها الطريق بمنحها الفرصة لبدء مشاريع جديدة على أنقاض القديم القائم، فتحظى عبر ذلك وبأسعار منخفضة جداً على الآلات والمباني القائمة. وهكذا يسهم تدمير رأس المال القديم بإنتاج وتعزيز ريعية رأس المال من جديد.

لقد تم تعميق هذا الرأي في وقت لاحق من قبل الاقتصادي جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter)، الذي نشر في عام 1912 كتابه “نظرية التنمية الاقتصادية” واتبعه بعد ذلك بكثير، في الولايات المتحدة الأمريكية وخلال الحرب العالمية الثانية، بنشره كتاب “الرأسمالية، والاشتراكية والديمقراطية”. صاغ شومبيتر في هذا الكتاب مفهوم “التدمير الخلاق” لشرح البداية الجديدة على أنقاض الصناعات القديمة.

وتعبر هذه العلاقات عن وشائج مهمة للغاية وجدت طريقها للمزيد من التطوير في النظرية الحديثة للفقاعات الاقتصادية. و تنشا هكذا فقاعة في الغالب نتيجة لتوفر الاقتراض بسهولة مفرطة، وهو ما قد يسمح بممارسة الاستثمارات بإسهاب. ويصح هذا، في المقام الأول في مجال الاستثمارات العقارية لقدرتها المعروفة على استيعاب الكثير من رؤوس الأموال. فمن المعلوم أن العقارات تشكل خمسة أسداس من قيمة موجودات رأس المال الاقتصادي في اقتصاد متقدم كالاقتصاد الألماني في حين تنحصر قيمة التجهيزات الرأسمالية بمعنى الآلات والمنشآت بسدس رأس المال فقط. ويترتب على الاستثمارات العقارية ارتفاعا في أسعار العقارات القديمة أيضا، الأمر الذي يعزز من نشاط الاقتصاد العقاري عموما فيزيد من فرص العمل والأجور. وينعكس هذا أيضا على بقية قطاعات الاقتصاد الأخرى كما يتجلى في ارتفاع حركة الأسهم وهبوط نسبة العائدات.

ويؤدي النمو في مستوى وحجم الأجور إلى طلب إضافي على الخدمات والسلع المحلية، مما ينعكس في بقية قطاعات الاقتصاد الأمر الذي يرفع من مستوى وحجم الأجور فيها أيضا.  ويشجع هذا النمو للدخل عموما الناس على استثمار المزيد من المال في القطاع العقاري، نظرا إلى الزيادات التي تلاحظ في أسعار العقارات، مما يعزز من اعتقادهم في صحة خياراتهم. ولكن عندما يبدأ الشك في مرحلة ما يساور المستثمرين الأوائل فيتوقفون عن الاستثمار وتتعزز الشكوك عند الآخرين و تنشأ سلسلة من ردود الفعل السلبية فتؤدي إلى تدهور سريع في أسعار العقارات وأسعار الأسهم، تليها بطالة جماعية. هذه هي الأزمة كما وصفها كل من ماركس وشومبيتر بجدارة.

وتكون الأزمة مؤلمة، إلا أنها تحمل في طياتها أيضا بذرة النهوض الجديد، بفضل عودة الاستقرار في أسعار العقارات والسلع الرأسمالية والأسهم. وتشجع الأسعار المنخفضة من جهة وارتفاع نسب الأرباح ومستوى العائدات مرة أخرى على العودة إلى الاستثمار مجددا، مما يسرع في وتيرة النمو الاقتصادي من جديد. ويحمل هذا النمو في طياته مجددا مخاطر المغالاة وتشكيل الفقاعات وخاصة في غياب الدولة أو أحجامها عن ضبط اتجاهات التطور وسقوفه. إن هذه الدورات بما فيها من صعود وهبوط، تشمل عقد أو عقدين من الزمن أي ما يتجاوز دورات الإنتاج الاقتصادية العادية، وتحمل معها دائما موجات جديدة من الابتكار، التي تعزز من جديد التنمية الاقتصادية وتوسع الرفاهية الاجتماعي.

 

بعض الشكوك في دور البنوك المركزية

تعيق راهنا البنوك المركزية في العالم دور “التدمير الخلاق” الذي يضم في طياته بذرة لطفرة جديدة. فهي تحافظ على أسعار للفائدة منخفضة جدا وتستمر في الحفاظ على المستوى المرتفع لأسعار الأصول من خلال شراء الأوراق المالية مما يحول دون انفجار الفقاعات، أو في حال انفجارها الحؤول دون عودة هذه الأصول إلى قيمتها الفعلية السابقة. لا تزال البنوك المتعثرة Zombi –  Banken  وزبائنها (Zombi – Clients) في مواقعها من الاقتصاد الحقيقي رغم أنها في الواقع مؤسسات غير قادرة على المنافسة وإنما يحافظ عليها بالرغم من ذلك كأموات ــ أحياء عديمي التأثير في مواقعهم التي يحتلونها دون نشاط يذكر. وهم يحولون بالتالي دون تقدم رجال الأعمال الشباب وما يقدمونه من منتجات جديدة. هكذا يشاع الوهم عن تفادي أزمة حادة في الوقت الذي يدفع بمجمل الاقتصاد إلى أزمة دائمة.

وهكذا يفرض بدلا لمجرد احتمال ميل معدل الربح تراجعا يدار بفعل سياسة نقدية تؤدي تدريجيا إلى الضمور ويبدو هذا الضمور بشكل كساد علماني يترافق مع هبوط متواصل لمعدلات الربح، والذي يأتي نتيجة لاستنفاد الفرص الاستثمارية، ولكنها في الحقيقة سياسة عامة للبنك المركزي موجهة لخدمة مصالح محددة وتحول دون عودة أسعار الأصول إلى مستوياتها السابقة المتوازنة.

تهدد السياسة النقدية الفضفاضة باستنزاف الرأسمالية، وتؤدي عمليات الإنقاذ اللا محدودة، مباشرة إلى اقتصاد الدولة الدكتاتوري، فهي تقود إلى تجاوز البنوك المركزية لحدود وظائفها المحددة لها. فقد وفر البنك المركزي الأوروبي للبلدان المأزومة وفي ذروة الأزمة السابقة (في صيف عام 2012) نصيب الأسد من قروض الإنقاذ العامة (83 في المئة) بلغ مجموعها 1342 مليار يورو، وذلك بدون قرارات برلمانية. كم أكد البنك المركزي الأوروبي مواصلته لشراء الأوراق والإصدارات المالية من كافة بلدان مجموعة اليورو وذلك حتى نهاية 2017 وبقيمة 2300 مليار يورو منها حوالي 80 في المئة أوراق حكومية وهو ما يتناقض مع المادة 123 من معاهدة آلية عمل الاتحاد الأوروبي. وعملا بقول “مهما كلف الأمر” لماريو دراغي (Mario Draghi) رئيس مجلس أدارة البنك المركزي الأوروبي، أصدر هذا أوامره لشراء سندات حكومية من البلدان التي تمر بأزمات ومن دون تحديد سقف لذلك. وقد تبلغ تكلفتها عشرات المليارات من اليورو. وهكذا يعمل البنك المركزي الأوروبي ومن خلال هكذا تدابير على توجيه الاستثمار الإقليمي لصالح المواقع في جنوب أوروبا، والتي تذكر بالإدارة القاتلة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية  (سابقا) لصندوق الإنتاج الاجتماعي باسم “النظام الاقتصادي الجديد للتخطيط وإدارة الاقتصاد القومي”.

يبعث كل هذا أعلى درجات القلق، إذ يمكن في النهاية أن يصح قول ماركس بهذه الطريقة أو تلك: “بأن الرأسمالية تدمر نفسها بنفسها عبر استمرار انخفاض معدل الربح وتمهد بذلك الطريق إلى الاشتراكية”، وان أختلف مسار هذا الطريق قليلا عما كان ماركس يعتقد به.

 

خسرت الاشتراكية المنافسة مع الرأسمالية نتيجة عدم الكفاءة والتعسف في محاولة إدارة الاقتصاد بالتخطيط المركزي ألأوامري ورفض اعتماد الحوافز المادية. وعندما اتضح الاستعصاء لآخر الحاكمين، انهار النظام. فهل عفا حينذاك  الزمن على ماركس؟ كلا، وعلى الإطلاق. لقد توقع ماركس حصول الثورة الاشتراكية، ودعا لها في حين انه كتب القليل جدا عنها حاصراً اهتمامه بشكل رئيسي في تشريح عمل نظام اقتصاد السوق الرأسمالي. لقد دحضت نظرية اقتصاد السوق الرأسمالي العديد من مزاعم ماركس. لم تحظ مفاهيم ماركس والقيم التي خلص إليها في تحليلاته، بالإجماع العلمي العام وهو الأمر الذي حظي به ما توصل إليه ماكس فيبر في علم الاجتماع من خلاصات وإحكام عامة. ومع ذلك، فقد خلص ماركس إلى العديد من الأفكار المهمة التي أغنت البحوث والاستنتاجات على صعيد تطور النظرية الاقتصادية العامة والعلوم الاجتماعية الأخرى.

 

الوجود يحدد الوعي

ويتجلى هذا أولا في الأطروحة الأساسية لماركس التي تناقض نظرية هيغل القائلة بأن الوعي يحدد الوجود، في حين يؤكد ماركس على أن الوجود هو الذي يحدد الوعي، بمعنى أن الشروط الموضوعية لعلاقات الإنتاج هي التي تحدد في نهاية المطاف البنية الفوقية الأيديولوجية كما تتجلى في شكل الدولة والرأي العام والقوانين السائدة. كما لا توجد أولوية للسياسة على قوانين الاقتصاد. بل تحدد القوانين الاقتصادية الإطار، الذي من خلاله يمكن للسياسة أن تتحرك. وتكرر الفشل الاقتصادي لكافة الأنظمة التي لم تأخذ بالقوانين الموضوعية للسلوك البشري ولندرة الموارد الطبيعية، وتصرفت محكومة برغباتها الذاتية انطلاقا من تصوراتها الأيديولوجية كما الدينية أو الأخلاقية. والمصير الفاشل الذي انتهى إليه “النظام الشيوعي” خير دليل على ذلك. وهذا ما يشير بدوره إلى فشل استنتاج ماركس القائل بحتمية الانتقال إلى الاشتراكية من جهة، في حين انه يدل من جهة ثانية إلى صحة أطروحته الأساسية القائلة بسيادة العلاقات الاقتصادية على ما سواها.

الاقتصاديون غالبا ما يختلفون بشأن هذه المسألة مع السياسيين، الذين يروجون بألسنتهم دائما لأولوية السياسة على الاقتصاد . ومن دواعي السخرية أن العديد من السياسيين اليساريين على وجه التحديد، يروجون لضرورات التدخل السياسي في مجريات السوق، في حين يشير الاقتصاديون إلى هيمنة القوانين الاقتصادية وعدم جدوى التدخلات السياسية لعدم فعاليتها ولمردوداتها العكسية أحيانا. وتحضر هنا أمثلة من نمط: وضع قانون” الحد الأدنى للأجور”، مظلة الإنقاذ الأوروبية، تحديد دور البنك المركزي الأوروبي (ECB \ EZB) أو قواعد استيعاب المهاجرين في الدولة الاجتماعية. وتلقى هذه الاقتراحات حاليا تجاوبا واسعا. والاقتصاديون يتماهون مع ماركس في قناعاتهم بأولوية القوانين الاقتصادية على أماني السياسة ووسائل الإعلام. ولذلك يقف الاقتصاديون في الغالب أقرب إلى ماركس من أولئك السياسيين الذين يوالونه بشكل خاص.

لا يفترض القول بأولوية القوانين الاقتصادية على السياسة، إمكانية تخلي المرء عن دور الدولة. إذ أن اقتصاد السوق لا يعني الفوضى، وإنما يتطلب إطارا قانونيا متينا يمكنه من العمل.

وتأتي أهمية كل من القانون المدني والقانون الجنائي في المقام الأول، لأن الشرط الأساسي لتبادل فعال للسلع والخدمات هو ضمان حقوق الملكية لتلك السلع والخدمات. فلا يمكن للأسواق أن تُدفق نعمها الوفيرة إلا على تأمين حقوق الملكية على السلع كما على عوامل الإنتاج ـ من العمل إلى السلع الرأسمالية بما في ذلك الأرض ـ وكما توجد مجالات في السوق يجب أن تُستكمل عبر تدخل اقتصاد الدولة، مثل مجال البيئة، فعندما تحدث أخطاء لا يمكن للأسواق أن تتحمل تبعاتها مثل إنتاج المواد الملوثة، أو مثل انجاز السلع العامة ذات النوعية والمواصفات المشتركة ــ الأمثلة الكلاسيكية على ذلك هي بناء الطرق والجسور والسدود ــ وأخيرا، في حال فشل السوق في توفير نظام عادل لتوزيع الدخل، الأمر الذي يوجب استكمال اقتصاد السوق عبر الدولة الاجتماعية لضمان إعادة توزيع الدخل بين الأغنياء و الفقراء.

يشير ماركس إلى أن قاعدة الاقتصاد في حالة تطور باستمرار، في حين تستمر البنية الفوقية الأيديولوجية المعبرة عن آراء الطبقة الحاكمة – ويمكن هنا الحديث عن “المكون السياسي ـ الإعلامي ” – على جمودها. ويفضي هذا الجمود مع مرور الوقت إلى تزايد التوترات الاجتماعية، وفي نهاية المطاف إلى الاضطرابات، التي قد تنتهي إلى الثورة.

ويؤكد  في يومنا الراهن على صحة ما خلص إليه كارل ماركس في مقولته آنفة الذكر، ما انتهت إليه في عام 2016 نتائج الاستفتاء في بريطانيا (بريكست) والانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية (ترامب) بفضل ضغوط الطبقات الدنيا والوسطى المعترضة والرافضة للسياسات الممارسة من قبل الفئات الحاكمة على صعيد كل من العولمة والهجرة.

لجأ “المكون السياسي ـ الإعلامي” لتبرير الصدمة العامة الناتجة عن الواقع آنف الذكر بردها لتأثير الشعبويين، متناسياً التلازم الثابت بين الشعبوية والنظام الديمقراطي. وهو يروج بذلك إلى أن الشعبويين هم دائما الآخرون، أي الذين لم يصلوا إلى السلطة بعد ويرومون احتلال المواقع المغرية والوظائف الكبيرة في جهاز الدولة حتى على أشلاء زملائهم ضمن الحزب الواحد.  يا له من توصيف خاطئ، يعبر عن استمرار الطبقة الحاكمة في عدم تفهم الحراك المعارض لها وخاصة في حال تعرض وجودها في السلطة للخطر.

لا يعني انتخاب دونالد ترامب ولا الاستفتاء لصالح خروج المملكة المتحدة من عضوية الاتحاد الأوروبي (بريكست) التعبير عن ثورات بالمعنى الماركسي. بل تشيران إلى تحولات تعبر عن انفصام متنام بين: البنية الفوقية الأيديولوجية والأساس الاقتصادي في كلا البلدين . ولذلك يعبر المروجون للأهمية الحاسمة لكل من فنون التضليل الممارس من جهة و للقصور التي تميزت بها شخصية ترامب من جهة أخرى، عن فهم سطحي لمعطيات الواقع في كل من البلدين.

 

ماركس كاقتصادي

تتجلى في “نظرية قيمة العمل” أكبر الأخطاء العلمية لماركس، فهي وضعت بدافع أيديولوجي وذلك لتعليل نظرية فائض القيمة والاستغلال. فهو يخطئ في استنتاجه القائل بأن مستوى أسعار البضائع في اقتصاد السوق إنما يحددها الوقت المبذول لإنتاج السلع. ويكمن الخطأ أولا في أن الأجور تشكل واحدة من جملة عناصر التكلفة للشركة المنتجة وثانيا إن الأسعار هي أسعار حجم وفرة البضائع المعروضة في السوق( العرض والطلب) والمواصفات التفضيلية لمكوناتها أيضا ولمدى تنامي الطلب والتنافس عليها في السوق. لذلك يصح التساؤل على سبيل المثال، عن علاقة سعر لوحة لـ رامبرانت مع أجر الصان ) الفنان(؟ وما علاقة سعر النفط مع أجور العمال في الآبار النفطية؟ لا شيء، أو لا شيء تقريبا.

إن غالبية الاقتصاديين الانجلوـ سكسونيين لا ترى في ماركس مساهما أساسيا في بناء وبلورة الفكر الاقتصادي ليس بسبب “نظرية قيمة العمل” فحسب، بل ولإخفاقه الفاضح في مجال نظرية التوزيع والتي ترتبط بها بشكل وثيق “نظرية أسعار التجزئة” والتي تشكل بدورها النظام الحاكم في علم الاقتصاد.

وأنا أخطئ هذا التقييم لتقديري بأن مساهمة ماركس الفعلية تتجلى في بلورة “نظرية الاقتصاد الكلي” . فهو كان تاريخيا أحد الأوائل من علماء الاقتصاد الكلي وقام بدور أساسي في تأسيس وإنشاء هذا الفرع اذ لم تكن لمصطلحات مثل “الدخل القومي”، “الاستهلاك” أو “الاستثمار” من قبله اي أهمية تذكر في علم الاقتصاد. لقد فهم ماركس وأوضح، بأن الدخل القومي هو عبارة عن مجموع قيمة السلع المنتجة حديثا ويستخدم للاستهلاك الجاري كما يستخدم لتراكم رأس المال. وما كان لجون ماينارد كينز (John Maynard  Keynes) أية إمكانية لتطوير نظريته حول أهمية “دور الطلب الكلي في استقرار الاقتصاد” بمعزل عن استخدامه لتصورات مركبة مماثلة.

نجح ماركس في المجلد الثاني من عمله الرئيسي “رأس المال” وبفضل تشريحه لنظرية الاقتصاد الكلي بتطوير “نظرية النمو”، التي أضحت في الجوهر المقدمة لكل” نظريات النمو” القائمة على العلاقة الثابتة بين رأس المال و”الناتج الإجمالي” والتي طورها كل من إفسي دومار (Evsey Domar) و بول رومر (Paul Romer). وأظهر ماركس في نظريته هذه وباستخدام الحسابات التفصيلية بأن النمو لا يتحقق عموما بفضل الاستهلاك، وإنما من خلال الزُهد في الاستهلاك، أي من خلال الادخار وتراكم رأس المال. وبقدر ما تتنامى النسبة من الدخل القومي للتوفير والاستثمار، يرتفع معها معدل النمو الاقتصادي.

حاول الاتحاد السوفيتي في فترة ما بعد الحرب أن يضع على أساس من نظرية ماركس للنمو، إستراتيجية يتجاوز بها الغرب. وإن لم تتكلل هذه الجهود بالنجاح فمرد ذلك لعدم مراعاة أهم الشروط التي أكد ماركس على ضرورة توفرها لضمان العلاقة النسبية بين معدل الادخار من جهة ونسبة النمو المأمولة من جهة أخرى والتي تتمثل بدورها بتوفر جيش احتياطي صناعي كبير بما فيه الكفاية من العاطلين عن العمل الأمر الذي يضمن بدوره زيادة قوة العمل المستخدمة بما يتناسب مع نمو رأس المال المستثمر .إن تواتر نمو رأس المال بأسرع من وتيرة نمو العمالة المطلوبة واستحالة التوسع النسبي الموازي في مواقع الإنتاج مما يجبر هذه إلى الأخذ بأساليب توفر في قوة العمل، الأمر الذي يضعف بمجمله حافز النمو المتوقع بنتيجة تراكم رأس المال وبذلك لا تصح معادلة ماركس إلا بصيغة معدلة.

وهذا ما خلص إليه أيضا ماركس في تحليله الذي ضمنه بالتفصيل في الجزء الثالث من “رأس المال”، الذي حرره وأصدره بعد وفاته “انجلز ” ..لقد فسر ماركس “نموذج النمو” كما وصفه في “المجلد الثاني من رأس المال”، والمستند إلى نسب ثابتة على أنه مجرد أفكار وسيطه على طريق إنضاج نموذج للنمو يتميز بتصاعد تكثيف رأس المال في الإنتاج. وتحدث في هذا السياق عن تنامي “التركيب العضوي لرأس المال”، أي زيادة العلاقة بين رأس المال الثابت والمتحرك، أو بلغة اليوم: توثيق العلاقة بين الرأسمال الإنتاجي وقوى العمل.

 

دور الطلب

لم يكن اهتمام ماركس موجها في الأساس لمعالجة شروط النمو وإنما لدراسة أسباب نشؤ الأزمات الاقتصادية. فأن صح القول، بأن النمو ينتج حصرا عبر الادخار والاستثمار، إلا انه من المهم أيضا التنويه لدور الاستهلاك في تحجيم حركة الطلب الاقتصادية.  وقد يترتب على تعثر حركة الاستهلاك كما رأى ماركس بحق، نشؤ “أزمة قصور الاستهلاك” التي تدفع الاقتصاد إلى سلسلة من الاختناقات البنيوية. وفي هذا الإطار روج ماركس للنظرية التي عمل لاحقا جون ماينارد  كينز (John Maynard Keynes) على تطويرها والتي تؤكد على أهمية تطوير حركة الطلب في السوق والتي ساد الترويج لها والتركيز على أهميتها في السنوات الأخيرة لمواجهة النتائج السلبية أو العضوية لسياسة التقشف المزعومة في جنوب أوروبا.

لقد أسيئ تفسير ماركس وكذلك كينز عبر الزعم بأن إصرارهما على تعظيم دور الطلب في السوق، إنما يهدف حصرا إلى الزيادة في الاستهلاك العام وفي القوة الشرائية العامة أيضا. وهذا الادعاء يتنافى وحرص وتأكيد كلاهما على أن طلب الشركات على السلع الرأسمالية ومراكمتها يشكل مكوناً مهماً في صلب الطلب العام للسوق الاقتصادية الرأسمالية ويؤدي الإخلال بها إلى أزمات في الدورة الاقتصادية العامة.

 

نظرية ميل معدل الربح

تمثل نظريات الأزمات أهم مساهمات ماركس في تطوير علم الاقتصاد.

وتتقدم “نظرية ميل معدل الربح” على سواها من النظريات بما في ذلك “نظرية قصور الاستهلاك”. وعرض ماركس نظرية ميل معدل الربح في المجلد الثالث لـ “رأس المال” وتحتل موقعا مميزاً في الفكر الماركسي. وينخفض “معدل الربح” ــ الذي نسميه اليوم العائد الاقتصادي أو الريع ــ من وجهة نظر ماركس، في مسار التنمية الاقتصادية ويميل باستمرار إلى مستوى أدنى، نظرا لنمو التركيب العضوي لرأس المال بما يعني إمكانية تسارع تراكم رأس المال قياسا بمدى نمو القوى العاملة. وهكذا يتراكم المزيد من رأس المال بالنسبة للعامل الواحد دون أن ينعكس ذلك في زيادة الدخل.

توقع ماركس بأن استمرار انخفاض معدل الربح سوف يبلغ مستوى يصبح معه الريع متدنيا جدا بالنسبة لرجال الأعمال ، فيحجمون عن الإقدام على أية استثمارات جديدة. وعندما يبلغ التطور هذه النقطة يسود الإضراب العام عن الاستثمار مما يغرق الاقتصاد في أزمة تنتج بدورها إحجاما عن شراء السلع الاستثمارية وهو الأمر الذي يدفع المنتجين لهذه السلع أيضا إلى التوقف عن شراء المواد الأولية اللازمة لها… وهكذا تشمل كافة فروع الاقتصاد سلسلة من الأزمات المترابطة. إن قانون “ميل معدل الربح” يربط ما بين نظرية النمو وما يرافقها من زيادة للتركيب العضوي لرأس المال وبين نظرية الطلب ويتحول بذلك إلى نظرية الأزمة التكوينية الكامنة في صلب بنية النظام الرأسمالي .

تتجلى نظرية الأزمة بكل وضوح عبر تطور الأوضاع الراهنة. فاليوم تبرز بعد 150 عام على ماركس، علامات واضحة على انخفاض العائد على رأس المال على المدى الطويل. و بات دوران الفائدة سمة ثابتة منذ سنوات، وكذلك خضوع أجزاء من العالم مثل جنوب وغرب أوروبا وكذلك اليابان لأزمة مستمرة لا تتوافر أية مؤشرات إلى نهاية قريبة لها.

يفسر بعض الاقتصاديين، مثل كارل كريستيان فون فايتسكر (Carl Christian von Weizsäcker) أو لورانس سمرس (Lawrence Summers)، وزير الخزانة الأمريكي السابق، اتجاه الانحدار للفوائد المتدنية واستمرار الأزمة الاقتصادية التي تعم العالم الغربي منذ عام 2008، بأنها تعبيرا عن “الكساد العلماني”. وبلور هذا المصطلح ألفين هانسن (Alvin Hansen) ـ أحد معاصري كينز – وعلى الأرجح تحت تأثير ماركس في ثلاثينيات القرن الماضي (1930). تقول نظرية “الكساد العلماني” بأن الإنسانية قد استثمرت بالفعل أكثر من اللازم، بحيث أن نسبة عوائد المشاريع الاستثمارية اللاحقة لن تكون مرتفعة بما يكفي تغطية فائدة صفرية مضمونة. إن فائدة صفر لا يمكن تجاوزها إلى الأدنى بسهولة في الاقتصاد النقدي، لما يترتب على ذلك من إضراب عن الاستثمار وما يولده من ضمور إن لم يكن أزمة مستمرة.

ويتماثل كل هذا مع نظرية ميل معدل الربح، إلا أن الكتاب المعاصرين لا يدعون نتيجة لذلك إلى تغيير النظام، بل إلى تحفيز الطلب في سياسة الموازنة العامة للدولة. فإذا كان الطلب الخاص على السلع الرأسمالية غير كاف، وجب على الدولة تحفيز الطلب الكلي بوسائل الإنفاق الحكومي الممول بدوره عبر الديون، بما يعوض تراجع الطلب في السوق على الاستثمار. يحاجج فون فايتسكر، بأن تأمين معاشات التقاعد المؤسس على نظام الضريبة ـ هو في الجوهر دين مستتر على الدولة مثل ميزانيات الظل الأخرى ــ يوفر إمكانية الالتفاف على “سقف الديون” الأوروبي، بما يفيد حركة الطلب في السوق. وسوف يتراجع وباستمرار مستوى استهلاك الأجيال القادمة عن مستوى استهلاك الأجيال الحالية، الأمر الذي يضمن تعويض ما يترتب عن العجز في الطلب الحالي. ويدعو سامرس إلى التغلب أو إلغاء “سقف الديون” القانونية.

يأخذ اقتصاديون آخرون، مثل كينيث روجوف (Kenneth Rogoff) مخاطر الكساد العلماني بجدية أكبر فيطالب بضرورة التخلص من الكتلة النقدية بهدف تعظيم “الفائدة السلبية” لتصبح الاستثمارات الجديدة مربحة مرة أخرى. فلا يمكن في الاقتصاد النقدي وبمعزل عن خفض الكتلة النقدية الوصول بالفائدة إلى مستوى سلبي يوازي كلفة التخزين الذاتي للنقود، إذ لا ينتظر من أحد أن يقرض أمواله ويدفع فائدة عليها للمقترض أذا تمكن من تخزينها بنفسه وبكلفة أقل.

تلقت إدارة البنك المركزي الأوروبي نظرية الكساد العلماني بترحاب كبير لرغبتها في إنعاش الاقتصاد الأوروبي من جهة، خدمة لسياسة تهدف لإنقاذ البنوك والشركات المثقلة بالديون في جنوب أوروبا من جهة ثانية. الأمر الذي يتعارض مع الوظيفة المنتدبة لها.

حدد مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة لخدمة الودائع التي تديرها البنوك مع البنوك المركزية الوطنية، ودفع بهذه الفائدة منذ بعض الوقت إلى المستوى السلبي، وترتب على ذلك استقرار الفائدة السلبية في سوق التبادل بين البنوك. وكان يفضل على الأرجح الاستمرار بتكثيف هذه السياسة. إلا أن المشكلة تكمن في كتلة السيولة النقدية التي لا يسمح وجودها بمستوى للفائدة السلبية يتجاوز تكاليف تخزينها. فالمدخرون يفضلون إبقاء أموالهم معهم بدل إعارتها، حين يتجاوز سعر الفائدة السلبي تكاليف التخزين. وتمثل بذلك تكاليف التخزين الحدود القصوى للفائدة السلبية في الاقتصاد النقدي والتي لا يمكن لأي بنك مركزي تجاوزها.

ويبدو لنا اليوم بالفعل، أن سعر الفائدة السلبي قد بلغ منتهاه. إن كبار المستثمرين مثل البنوك وشركات التأمين والذين يملكون خيارات الاحتفاظ بالنقود بتكلفة منخفضة قياسا بالسعر الراهن لليورو، يخزنون الموجودات النقدية الضخمة المتوفرة لديهم للهروب من أسعار الفائدة السلبية. تشير بعض البنوك وبحذر إلى أنها تحتفظ بأوراق نقدية من فئة الـ 500 يورو تتجاوز قيمتها ما يزيد على عشرة مليارات يورو في مخازن ضخمة. وأعرب الرئيس التنفيذي المنتهية ولايته ل ميونيخ ري (Munich Re) ـ وهي أكبر شركة إعادة تأمين في العالم ـ نيكولاوس فون بومهارد (Nikolaus von Bomhard) وبكل صراحة في خطابه الوداعي عام 2016 بأن شركته تحتفظ ذاتيا بموجودات نقدية كبيرة لتجنب أسعار الفائدة السلبية. وهكذا ارتفع طلب البنوك و لدرجة كبيرة جدا على أماكن لتخزين رأس المال النقدي، بما في ذلك أنفاق المناجم السويسرية.

تشكل هذه المناورة “شوكة في عين” مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، فلجأ إلى تعقيدها حين قرر في عام 2016 سحب العملة الورقية من فئة 500 يورو تدريجيا من التداول في السوق، الأمر الذي دفع بمالكي المخزونات المالية، إلى اعتماد الأوراق النقدية من فئة 200 يورو، وارتفعت بذلك التكلفة إلى حوالي الضعفين ونصف، مما يكسب البنك المركزي وقتاً أكثر لإدامة أسعار الفائدة السلبية. وأن لم يكتف بذلك يمكنه اللجوء عندئذ إلى إلغاء الورقة النقدية من فئة 200 يورو، ويجبرهم على تخزين الورقة النقدية من فئة 100 يورو، وتتضاعف بدورها مجددا تكلفة التخزين. نعم، يمكن أيضا توقع الإلغاء التام للعملة النقدية بهدف القضاء على أية حواجز لاستمرار أسعار الفائدة السلبية

.

فقدان( القيمة ) والتدمير الخلاق

تحظى النظرية الماركسية حول ميل معدل الربح بمزيد من الاهتمام العام نتيجة لسياسة الفائدة السلبية التي يتبعها البنك المركزي الأوروبي. لقد انخفض معدل ربح الرأس المال بشكل كبير جدا كما يتجلى حاليا ولدرجة أن الشركات باتت لا ترغب في الاستثمار إلا إذا أمكن استدراجها لذلك، بإغداق المال عليها جزافا، ولربما أيضا مكافأتها بالأجر لقبولها تلقي الرساميل و ممارسة الاستثمار!! ومع ذلك، فمن نافل القول والمغالاة الاستعانة بماركس من أجل تشريح سياسة البنك المركزي الأوروبي، أولا لأنه لم يتحدث في السياسة النقدية وثانيا، لأنه يتحدث فقط عن “ميل معدل الربح”. وهو أن قام بذلك فلأنه تلمس دور قوى المعارضة العضوية التي تقاوم هذا الميل فتقوم بتوقيفه مؤقتا، إلى حين رفعه نهائيا. هنا تأخذ نظريته حول فقدان قيمة رأس المال أهمية خاصة.

يعبر ماركس من خلال “فقدان قيمة رأس المال” عن الفقدان النسبي المتواصل بفعل تطور “قيمة العمل”، الذي يفرضه التقدم التكنولوجي، والذي يمكن اختصاره بـ “زيادة الأجور نتيجة لنمو الإنتاجية”.

ويكرر ماركس دائما حديثه عن فقدان قيمة رأس المال بنتيجة الأزمات. كما أن فقدان قيمة رأس المال يدفع تلقائيا نسبة الربح إلى الأعلى، لأنها تخفض من مستوى المعدل الناتج عن العلاقة ما بين قيمة رأس المال والأرباح. وينتج ذلك أيضا بتأثير التقدم التكنولوجي الذي يتجلى على شكل شركات حديثة، ويمهد لها الطريق بمنحها الفرصة لبدء مشاريع جديدة على أنقاض القديم القائم، فتحظى عبر ذلك وبأسعار منخفضة جداً على الآلات والمباني القائمة. وهكذا يسهم تدمير رأس المال القديم بإنتاج وتعزيز ريعية رأس المال من جديد.

لقد تم تعميق هذا الرأي في وقت لاحق من قبل الاقتصادي جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter)، الذي نشر في عام 1912 كتابه “نظرية التنمية الاقتصادية” واتبعه بعد ذلك بكثير، في الولايات المتحدة الأمريكية وخلال الحرب العالمية الثانية، بنشره كتاب “الرأسمالية، والاشتراكية والديمقراطية”. صاغ شومبيتر في هذا الكتاب مفهوم “التدمير الخلاق” لشرح البداية الجديدة على أنقاض الصناعات القديمة.

وتعبر هذه العلاقات عن وشائج مهمة للغاية وجدت طريقها للمزيد من التطوير في النظرية الحديثة للفقاعات الاقتصادية. و تنشا هكذا فقاعة في الغالب نتيجة لتوفر الاقتراض بسهولة مفرطة، وهو ما قد يسمح بممارسة الاستثمارات بإسهاب. ويصح هذا، في المقام الأول في مجال الاستثمارات العقارية لقدرتها المعروفة على استيعاب الكثير من رؤوس الأموال. فمن المعلوم أن العقارات تشكل خمسة أسداس من قيمة موجودات رأس المال الاقتصادي في اقتصاد متقدم كالاقتصاد الألماني في حين تنحصر قيمة التجهيزات الرأسمالية بمعنى الآلات والمنشآت بسدس رأس المال فقط. ويترتب على الاستثمارات العقارية ارتفاعا في أسعار العقارات القديمة أيضا، الأمر الذي يعزز من نشاط الاقتصاد العقاري عموما فيزيد من فرص العمل والأجور. وينعكس هذا أيضا على بقية قطاعات الاقتصاد الأخرى كما يتجلى في ارتفاع حركة الأسهم وهبوط نسبة العائدات.

ويؤدي النمو في مستوى وحجم الأجور إلى طلب إضافي على الخدمات والسلع المحلية، مما ينعكس في بقية قطاعات الاقتصاد الأمر الذي يرفع من مستوى وحجم الأجور فيها أيضا.  ويشجع هذا النمو للدخل عموما الناس على استثمار المزيد من المال في القطاع العقاري، نظرا إلى الزيادات التي تلاحظ في أسعار العقارات، مما يعزز من اعتقادهم في صحة خياراتهم. ولكن عندما يبدأ الشك في مرحلة ما يساور المستثمرين الأوائل فيتوقفون عن الاستثمار وتتعزز الشكوك عند الآخرين و تنشأ سلسلة من ردود الفعل السلبية فتؤدي إلى تدهور سريع في أسعار العقارات وأسعار الأسهم، تليها بطالة جماعية. هذه هي الأزمة كما وصفها كل من ماركس وشومبيتر بجدارة.

وتكون الأزمة مؤلمة، إلا أنها تحمل في طياتها أيضا بذرة النهوض الجديد، بفضل عودة الاستقرار في أسعار العقارات والسلع الرأسمالية والأسهم. وتشجع الأسعار المنخفضة من جهة وارتفاع نسب الأرباح ومستوى العائدات مرة أخرى على العودة إلى الاستثمار مجددا، مما يسرع في وتيرة النمو الاقتصادي من جديد. ويحمل هذا النمو في طياته مجددا مخاطر المغالاة وتشكيل الفقاعات وخاصة في غياب الدولة أو أحجامها عن ضبط اتجاهات التطور وسقوفه. إن هذه الدورات بما فيها من صعود وهبوط، تشمل عقد أو عقدين من الزمن أي ما يتجاوز دورات الإنتاج الاقتصادية العادية، وتحمل معها دائما موجات جديدة من الابتكار، التي تعزز من جديد التنمية الاقتصادية وتوسع الرفاهية الاجتماعي.

 

بعض الشكوك في دور البنوك المركزية

تعيق راهنا البنوك المركزية في العالم دور “التدمير الخلاق” الذي يضم في طياته بذرة لطفرة جديدة. فهي تحافظ على أسعار للفائدة منخفضة جدا وتستمر في الحفاظ على المستوى المرتفع لأسعار الأصول من خلال شراء الأوراق المالية مما يحول دون انفجار الفقاعات، أو في حال انفجارها الحؤول دون عودة هذه الأصول إلى قيمتها الفعلية السابقة. لا تزال البنوك المتعثرة Zombi –  Banken  وزبائنها (Zombi – Clients) في مواقعها من الاقتصاد الحقيقي رغم أنها في الواقع مؤسسات غير قادرة على المنافسة وإنما يحافظ عليها بالرغم من ذلك كأموات ــ أحياء عديمي التأثير في مواقعهم التي يحتلونها دون نشاط يذكر. وهم يحولون بالتالي دون تقدم رجال الأعمال الشباب وما يقدمونه من منتجات جديدة. هكذا يشاع الوهم عن تفادي أزمة حادة في الوقت الذي يدفع بمجمل الاقتصاد إلى أزمة دائمة.

وهكذا يفرض بدلا لمجرد احتمال ميل معدل الربح تراجعا يدار بفعل سياسة نقدية تؤدي تدريجيا إلى الضمور ويبدو هذا الضمور بشكل كساد علماني يترافق مع هبوط متواصل لمعدلات الربح، والذي يأتي نتيجة لاستنفاد الفرص الاستثمارية، ولكنها في الحقيقة سياسة عامة للبنك المركزي موجهة لخدمة مصالح محددة وتحول دون عودة أسعار الأصول إلى مستوياتها السابقة المتوازنة.

تهدد السياسة النقدية الفضفاضة باستنزاف الرأسمالية، وتؤدي عمليات الإنقاذ اللا محدودة، مباشرة إلى اقتصاد الدولة الدكتاتوري، فهي تقود إلى تجاوز البنوك المركزية لحدود وظائفها المحددة لها. فقد وفر البنك المركزي الأوروبي للبلدان المأزومة وفي ذروة الأزمة السابقة (في صيف عام 2012) نصيب الأسد من قروض الإنقاذ العامة (83 في المئة) بلغ مجموعها 1342 مليار يورو، وذلك بدون قرارات برلمانية. كم أكد البنك المركزي الأوروبي مواصلته لشراء الأوراق والإصدارات المالية من كافة بلدان مجموعة اليورو وذلك حتى نهاية 2017 وبقيمة 2300 مليار يورو منها حوالي 80 في المئة أوراق حكومية وهو ما يتناقض مع المادة 123 من معاهدة آلية عمل الاتحاد الأوروبي. وعملا بقول “مهما كلف الأمر” لماريو دراغي (Mario Draghi) رئيس مجلس أدارة البنك المركزي الأوروبي، أصدر هذا أوامره لشراء سندات حكومية من البلدان التي تمر بأزمات ومن دون تحديد سقف لذلك. وقد تبلغ تكلفتها عشرات المليارات من اليورو. وهكذا يعمل البنك المركزي الأوروبي ومن خلال هكذا تدابير على توجيه الاستثمار الإقليمي لصالح المواقع في جنوب أوروبا، والتي تذكر بالإدارة القاتلة لجمهورية ألمانيا الديمقراطية  (سابقا) لصندوق الإنتاج الاجتماعي باسم “النظام الاقتصادي الجديد للتخطيط وإدارة الاقتصاد القومي”.

يبعث كل هذا أعلى درجات القلق، إذ يمكن في النهاية أن يصح قول ماركس بهذه الطريقة أو تلك: “بأن الرأسمالية تدمر نفسها بنفسها عبر استمرار انخفاض معدل الربح وتمهد بذلك الطريق إلى الاشتراكية”، وان أختلف مسار هذا الطريق قليلا عما كان ماركس يعتقد به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Hans – Werner Sinn, Was uns Marx heute noch zu sagen hat,*

APuZ. Zeitschrift der Bundeszentrale für politische Bildung, 76. Jahrgang, 26 / 2017, 26. Juni 2017

ــ نُشر المقال في مجلة المركز الاتحادي للتثقيف السياسي ــ ملف خاص بعنوان “رأس المال” ــ والتي تصدر مع الصحيفة الأسبوعية “البرلمان”

**هانزــ فيرنر سن، اقتصادي ألماني وأستاذ جامعي و أستاذ فخري في جامعة لودفيج ماكسيميليان في ميونيخ، وكان 1999-2016 رئيس معهد (ايفو) للبحوث الاقتصادية. منذ 2017 أستاذ زائر في جامعة لوسيرن.