بين حليب الفرس ولحم الحصان
يومياتي في مدينة ألماتي ـ كازاخستان
موسى الزعيم
.
في قلب آسيا الوسطى، حيث تمتد السهوب الكازاخية بلا نهاية، تتشكل ملامح الحياة في مدينة ألماتي، محطّ زيارتنا الثقافية، العاصمة السابقة للبلاد وأكبر مدنها، المدينة التي لازالت تحتفظ بحضورها التجاري والتاريخي المرتبط بطريق الحرير، وتبدو وكأنها واحة تجمع بين جمال الطبيعة والتاريخ والهوية الثقافية العميقة للشعب الكازاخي.
بعد رحلة جويّة استمرّت أكثر من خمس ساعات ونصف من إسطنبول، مع شروق الضوء، بدت ألماتي غافية عند الجبل، هادئة ومستغرقة في سكونها، تحت سفوح جبال تيان شان وزايلي ألاتاو المكللة بالثلوج، حيث تبلغ أعلى القمم فيها نحو 4900 متر فوق سطح البحر على حدود قرغيزستان، وغير بعيد عن الصين، من تلك المرتفعات تنحدر قنوات المياه الباردة لتشق شوارع المدينة العريضة المظللة بالأشجار، فيما يمنحها موقعها مناخاً أكثر اعتدالاً، ويضفي اللون الأخضر حضوراً دائماً على المشهد، حتى تبدو الأرصفة الخضراء أوسع من شوارع الإسفلت، كما تمتاز بحدائقها التي تحوي الكثير من الرموز الوطنية والتمايل والنصب التذكارية لشخصيات تاريخية أسهمت في نهضت البلاد.. مثل حديقة بانفيلوف”.
تضم الشعلة الأبدية تخليداً لجنود الحرب العالمية الثانية. وذلك حديقة الفارابي..
ويحمل اسم المدينة بعداً تاريخياً وثقافياً خاصاً؛ فكلمة “ألما” بالكازاخية تعني “التفاح”، لذلك عُرفت ألماتي بأنها “الغنية بالتفاح”، في إشارة إلى كثرة أشجار التفاح فيها، فيما يذهب البعض إلى أن التسمية تعني “أبو التفاح”.
غير أن ما يجعل كازاخستان مختلفة ليس الطبيعة وحدها، بل الثقافة التي وُلدت في السهوب الواسعة، إذ أنها تأتي تاسع أكبر بلد في العالم من حيث المساحة الجغرافية بعدد سكان لا يتجاوز 20 مليون تقريباً حيث عاش الإنسان متنقلاً فيها خلف القطعان وتحت السماء المفتوحة، وبين درجات حرارة 40 أو 40 تحت الصفر، هناك تحديداً في هذه السهوب الواسعة بدأت العلاقة المقدسة بين الكازاخي والحصان.









الحصان في الثقافة الكازاخية
ما جعلني أتوقف عند هذه القضية هو الاختلاف الثقافي في العلاقة مع الحصان والتي تعدّت حدود النظرة إلى أنه رفيق الدرب والسلطة والقوة في المعركة على الأقل هذا ما تداوله تراثنا عن الحصان إذ لا تذكر مصادرنا التاريخية سوى حادثة نادرة هي” أن حاتم الطائي ذبح فرسه وأطعمه للمحتاجين..”
أما النظرة إلى الحصان في الثقافة الكازاخية، تعدّت ذلك فهو رمز للحرية والقوة والشرف، وقد ارتبطت حياة البدو الرحّل بالخيل ارتباطاً عضوياً؛ فبواسطته كانوا ينتقلون عبر المسافات الهائلة، ويحرسون قطعانهم، ويخوضون الحروب، ويحتفلون بالمناسبات الاجتماعية، ولذلك دخل الحصان في الأغاني الشعبية والأساطير والقصائد، حتى أصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية للكازاخ.
وتشير دراسات أثرية إلى أن سهوب كازاخستان تُعد من أوائل المناطق في العالم التي شهدت استئناس الخيول، ما منح البلاد مكانة خاصة في تاريخ الفروسية البشرية.
ويعود تاريخ الحصان الكازاخي إلى حضارة بوتاي قبل نحو ستة آلاف عام، وهي من أقدم الحضارات المرتبطة بتدجين الخيول في العالم، وتشير الدراسات إلى أن معظم خيول بوتاي تنتمي إلى سلالة “جابي” القصيرة القامة، ذات العرف الكثيف والقدرة العالية على التحمّل. وقد حافظ هذا الحصان على خصائصه عبر آلاف السنين، إذ يستطيع العيش في السهوب القاسية دون حظائر أو رعاية مستمرة، معتمداً على نفسه في العثور على الطعام ومقاومة المناخ المتطرف.
واحتل الحصان مكانة روحية واجتماعية عميقة لدى الكازاخ، فقد كشفت المدافن القديمة أن الخيول كانت تُدفن مع أصحابها، إيماناً بأن المتوفى سيمتطى فرسه في الحياة الآخرة. وفي بعض المدافن الملكية دُفن أكثر من عشرة خيول مع الحاكم، إضافة إلى السروج واللجام والأسلحة.
ولا تزال آثار هذه المعتقدات حاضرة في التقاليد الشعبية، فعند وفاة شخص، كان يُختار له حصان يُقص عرفه وذيله ويُترك حراً لمدّة عام، ثم يُذبح في الذكرى السنوية للوفاة. كذلك ارتبط الحصان بالمحكيات اليومية، إذ يقول الكازاخ تورية : “وضعنا والدك على حصان وأرسلناه”، والمقصود بذلك أنه توفي.
وكان امتلاك الخيول معياراً للثروة والنفوذ، ولهذا حظي مربو الخيول بمكانة اجتماعية عالية تفوق أحياناً مكانة مربي الأبقار والأغنام من المعايير مثلا ” من يمتلك قطيعا أكبر يحق له ان يمتلك أرضا أكثر.”
ومن المعتقدات الشعبية أيضاً أنه إذا وُلد طفل ذكر، كان جزء من حبله السري يُربط بعرف حصان أملاً في أن يصبح فارساً شجاعاً، كما يُمرر الطفل تحت ركاب فارس مرموق طلباً للسعادة والقوة.
وفي الحياة السياسية والعسكرية لعب الحصان دوراً رمزياً مهماً. فعند عقد هدنة بين قبيلتين، كان الطرفان يذبحان حصاناً أبيض ويغمس الطرفان كفهما بالدم ويقسمان بالدم على احترام السلام، كما ارتبط الحصان الأبيض في المخيال الشعبي بالنصر والشفاء والطهارة.
تجربتي مع لحم الحصان والكوميس
ولا تتوقف مكانة الحصان عند الرياضة أو التاريخ، بل تمتد إلى المطبخ الكازاخي والعادات الاجتماعية. فلحم الحصان يُعتبر من الأطعمة التقليدية الأساسية في كازاخستان، ويحظى بمكانة خاصة في الولائم والمناسبات الكبرى. ويُنظر إليه باعتباره طعاماً صحياً وغنياً بالطاقة، خصوصاً في المناطق الباردة التي تتطلب غذاءً يمنح الجسم القدرة على التحمل.
وهنا يجب الإشارة إلى أن الأحصنة المعدة للذبح والاستهلاك تختلف عن الأحصنة المعدّة للركوب.
في أحد المطاعم الكازاخية كانت تجربتي الأولى في تناول لحم الحصان، وكان بالفعل ذا طعم مختلف ونسبة دهون أقل لم أشعر أنني آكل لحماً مختلفاً سوى عندما تمر في مخيلتي صورة حصانا يركض عبر السهوب بشكل عام كانت التجربة جيدة.
لكن تجربتي الأصعب كانت في تناول كوب من حليب الفرس، أو ما يسمى باللغة الكازاخية “قُمِز” أو “كوميس”، وهو حليب الفرس المخمّر والذي يُعد مشروباً تراثياً شهيراً لديهم..
فبعد أن أسهبت نادلة المطعم في شرح فوائد هذا الحليب، من كونه يساعد على الهضم ويحتوي على البروتينات والبكتيريا النافعة، ويساهم في تقوية المناعة و يمنح الجسم الطاقة والترطيب، قررت خوض التجربة، لكن ومع الرشفة الأولى شعرت أنني تورطت في شراب ذي مذاق حامض خفيف ورائحة نفاذة لاذعة، فاكتفيت من الكوميس بهذه التجربة الوحيدة.
ومن أشهر الأطباق الكازاخية طبق “بيشبارماك”، وهو الطبق الوطني التقليدي الذي يُحضّر غالباً من لحم الحصان أو لحم الضأن، ويُقدَّم مع شرائح العجين والبصل والمرق الساخن. ويعني اسم الطبق “خمس أصابع”، لأن الناس كانوا يتناولونه قديماً بالأيدي.
وبشكل عام، لا يشكل لحم الحصان اليوم الطبق الرئيسي للأسرة الكازاخية، وإنما يُقدَّم غالباً كطبق تقليدي يعكس ثقافة الشعب.
وعند زيارتنا للسوق الأخضر وهو السوق الشعبي للمدينة ما لفت انتباهي أن أغلب من يعمل في الجزارة وبيع اللحوم هنّ من النساء وكأن هذه الصنعة مُقتصرة على النساء حصراً بالكاد تلمح رجلا هناك.
الضيافة والحياة اليومية
في إحدى الدعوات الى الغداء، كنت استغرب من مضيفتنا، كلما نقصت كأس الشاي، كانت تبادر إلى تغييره ، وكانت تأتي بالكأس ساخنا غير مملوء تقريباً، فعلتْ ذلك أكثر من ثلاث مرات، ما دفعني بعد الغداء للبحث عن ذلك.
ما وجدته: أن من غير المستحب أن ينهي الضيف كأسه ولا يملؤه المضيف، ومن غير المستحب أيضا أن يملأ الكاس صاحب الدعوة ويجلس، في عرفهم كلما تبدّل كأس الشاي وجاء ساخناً هذا يعني أنت مرحب بك أكثر..
في الثقافة الكازاخية يُعد إكرام الضيف جزءاً أساسياً من التقاليد الاجتماعية، لذلك تُقام الولائم الكبيرة في الأعراس والمناسبات العائلية والأعياد، حيث يجلس الجميع حول مائدة واحدة في مشهد يعكس روح الجماعة والترابط الأسري.
هذا الترابط فرض على كل فرد أن يعرف أسلافه حتى الجيل السابع، إذ لا يتزوج الكازاخي من أقربائه إلا إذا كانوا ما قبل الجيل السابع..
وفي المطاعم التقليدية الكازاخية يقف النادل غالباً قرب الطاولة، يسكب الطعام للضيوف كلما نقص أو فرغ الصحن، ولا حاجة لدفع “بقشيش” إذ جرت العادة على احتساب 10 بالمئة من قيمة الفاتورة للعاملين في المطعم..
كما لا تزال مظاهر الحياة البدوية القديمة حاضرة في الذاكرة الثقافية للكازاخ، حتى مع تطور المدينة. فالخيمة التقليدية المعروفة باسم “اليورت” ما تزال تُستخدم في الاحتفالات والمهرجانات التراثية، وترمز إلى نمط الحياة الذي عاشه الأجداد في السهوب المفتوحة، وتُزيَّن هذه الخيام بالسجاد اليدوي والزخارف التقليدية.
أما عمرانيا ففي المدينة تجد أن المباني الحديثة والمقاهي الأوروبية والآسيوية تقف إلى جانب الأسواق الشعبية.
علماً أن المدينة دُمّرت تقريبا بالكامل عام 1911 نتيجة الزلزال، لذلك عندما تسأل عن المدينة القديمة أو الأبنية الأثرية، يشير لك السكان فوراً إلى الأبنية التي بقيت من عهد الاتحاد السوفيتي، وهذا النوع من الأبنية يعيدك مباشرة إلى صورة مدننا العربية مثل دمشق وحلب، وخاصة الأبنية المدرسية والدوائر الحكومية ذات الشكل المستطيل والنوافذ ذات الشبك الحديدي، ما يجعلك تتساءل إن كان الاتحاد السوفيتي يوما قد صدّر لنا مخططات هذه الأبنية مع الاشتراكية، أم أن مهندسينا العرب الذين درسوا هناك عادوا لنا بتلك المخططات دون أن يضيفوا إليها الكثير.
المتحف الوطني و”نور مبارك”
ومن أهم المعالم الثقافية في المدينة المتاحف التي يتاح الدخول إليها مجاناً، ومن أبرزها متحف الكتب والمخطوطات النادرة، الذي يضمّ بين جنباته الكثير من الكتب النادرة، والتي جمعت من بيوت الناس ومقتنياتهم ضمن إطار حملة وطنية للمحافظة على التراث الكازاخي، وبحسب إحصاءاتهم غير الرسمية، يقال أكثر من 350 ألف كتاب بمختلف اللغات، منها أكثر من 20 ألف كتاب باللغة العربية وأكثر من 500 مخطوط، معظمها لم يُصنّف بعد، وما تزال هذه الكنوز حبيسة الأدراج.
وربما من حسن الطالع أنهم أخبروني أنني أول عربي يُبدي اهتماماً خاصاً بهذه الكتب.
إضافة إلى المعروضات من الوثائق العربية التي تحتفي بالفارابي، المولود بالقرب من ألماتي. وقد تولى مرشدنا “تيمور أو عبد الله” كما يحب أن نناديه شرح الكثير من الكتب والوثائق والنقوش المكتوبة بالعربية، فيما كان يزين إحدى القاعات شطر بيت المتنبي الشهير: “وخير جليس في الزمان كتاب”.
أما “نور مبارك” فهي “الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية نور مبارك”، فتُعد أول جامعة إسلامية في كازاخستان، تأسست في ألماتي عام 2003 بالتعاون بين كازاخستان ومصر، ويشرف عليها الأزهر الشريف.
وتضم الجامعة مراكز تعليمية ومسجداً، وتدور النقاشات فيها باللغة العربية بلكنات محلية ممزوجة بالفصيحة المطعّمة بروح المكان، وكان لمضيفنا المصري الدكتور محمد الورداني، مدرس علوم الحديث باللغة الإنكليزية، فضل تعريفنا بالجامعة ومناهجها وطبيعة الحياة في المدينة وما تمتلكه من أبعاد ثقافية وإسلامية جميلة.
اليوم تعدّ ألماتي مقصد السياحة العائلية العربية لما تمتاز به من بيئة اجتماعية وطبيعية نظيفة، وخاصة السياحة الجبلية، فتجربة الصعود إلى ارتفاع حوالي 3 ألاف متر في حبال تيان شان بواسطة ” التلفريك” تجربة تحمل الكثير من الدهشة ومتعة الاكتشاف والتأمل.
ألماتي كازخستان
أيار 2026.





