التأقلم النفسي والاجتماعي تحت وطأة الحرب
في رواية سمسمة، معسكر خمس نجوم
للكاتب السوداني محمد صديق توم
موسى الزعيم
في روايتهِ الجديدةِ “سمسمة… معسكر خمس نجوم” يُدخلنا الكاتب محمد صديق محمد توم في عالمٍ سرديّ مشوّق، من خلال شخصيّات تعيش تجربة النزوح واللجوء نتيجة الحرب، إذ دائماً ما تترك الحرب وشومها على أرواح البشر، تغوص الرواية في عوالم الناس، تُدقق في التفاصيل الصغيرة؛ الخوف والحنين والأمل، والخروج إلى المجهول ومحاولة التأقلم مع الظروف الجديدة، وخاصة في حرب السودان عام 2023 التي تدور فيها أحداث الرواية.
هذه الحرب التي فتّتت النسيج الاجتماعي وأحدثت انقساماً وجدانياً على صعيد القيم الأخلاقية والإنسانية، وما يميز هذه السردية الروائية أنّها نظرت إلى قضايا الناس وحيواتهم من زوايا مختلفة، ليس فقط من حيث انعكاس الحرب عليهم، وإنما أيضاً على سلوكهم تجاه بعضهم ، فجاءت أحياناً حمّالة للفكاهة والطرفة، وأحياناً أخرى بأسلوب سوداوي، وفي كثير من الأحيان لا يخلو الموقف من الوعظ والإرشاد، بما يذكّر ببواكير الرواية العربية الأولى.
ولعل الكاتب قد استفاد من تجربته الحكائية في كتابه السابق “شهرزاد وحكاوي الكوكب” فجاء التعويل في عمله الجديد على الحكاية وعلى الراوي العليم، عبر عوالم سحرية وتشويقية، مع الخوض في تابوهات المجتمع السوداني، وخصوصاً عوالم المرأة، لكن دون مباشرة أو إسفاف. إذ تصور الرواية بجلاء انعكاس الحرب على المرأة من خلال معاناتها في اللجوء، وتطرح قضايا حساسة، كالعلاقة الزوجية داخل معسكرات النازحين وبطريقة مختلفة عمّا عرفناه في أدب النزوح واللجوء العربي.
تحاول الرواية قلب الصورة النمطية عن معسكرات النزوح، ومع ذلك تظل شخصياتها متمسكة بإنسانيتها وإيمانها وأملها بالحياة، ومن هنا تبدو الرواية جديرة بالقراءة، لأنها تقتنص هواجس الناس وخوفهم وتمسكهم بحلم السلام والمحبة وسط الخراب.
تسير رواية سمسمة على خطين سرديين متداخلين؛ الأول واقعي يبدأ من اندلاع حرب السودان عام 2023 وما تبعها من نزوح، والثاني استرجاعي يعود إلى ذاكرة البطلة “شادية” وحياتها السابقة في لندن، تبدأ الأحداث في العاصمة السودانية وداخل “البيت الكبير” حيث نشأت شادية وسط أسرة تضمّ والدها الصّوفي الزاهد، وعمّيها عبد الباسط وعبد الحليم، وعمتها فوزية وابنيها طارق وفاتن، لتتشكل منذ الطفولة علاقات الحبّ والغيرة والصراع العائلي، ثم تنتقل الرواية إلى مرحلة دراسة شادية للفنّ في أوروبا وزواجها وعودتها إلى السودان، قبل أن تقلب الحرب حياتها رأساً على عقب، فتغادر مع ابنتها العاصمة في رحلة نزوح شاقة نحو الشرق، مروراً بمحطات الخوف والجوع والانتظار، حتى تصل إلى مدينة “سمسمة”. هناك تنتقل إلى “معسكر خمس نجوم”، وهو مدرسة خاصة حولها أستاذ عثمان عبد الرحيم إلى معسكر نموذجي للنازحين، لتصبح الحياة داخله محور الرواية الأساسي بما تحمله من علاقات إنسانية جديدة، ونقاشات اجتماعية ودينية، وصراعات نفسية، فيما تبقى النهاية مفتوحة على أمل هشّ بالسلام واستعادة الحياة.
الحرب وانهيار العالم القديم
لا يتعامل الكاتب مع الحرب بوصفها حدثاً سياسياً مجرداً، بل باعتبارها زلزالاً وجودياً يقتلع الإنسان من جذوره، فالرواية منذ بدايتها ترصد التحول العنيف الذي يصيب الشخصيات بعد اندلاع الحرب؛ البيوت تتحول إلى أماكن مهددة، والمدينة التي كانت فضاءً للحياة اليومية تصبح مكاناً للخوف والترقب
بشكل عام تركز الرواية على معاناة المدنيين أكثر من المعارك نفسها.
وشخصية “شادية” تمثل هذا التحول بوضوح، فهي امرأة تنتمي إلى طبقة مدينية مُستقرة، عاشت حياة هادئة نسبياً، درست الفنّ، وعاشت تفاصيل حياة اعتيادية، قبل أن تجد نفسها فجأة وسط رحلة نزوح طويلة، ومن خلال ذاكرتها، نرى كيف تتحوّل الحرب من خبر سياسي إلى مأساة شخصية، تمسّ تفاصيل الحياة الحميّمة: المطبخ، الحديقة، الصور القديمة، والأصوات اليومية التي كانت تمنح الإنسان شعوره بالأمان.
تنجح الرواية في تحويل المأساة الجماعيّة إلى تجربة إنسانية قريبة من القارئ، لأن الكاتب لا يكتفي بوصف الرصاص والدخان، بل يصف ما هو أعمق.
المعسكر والعالم الموازي
من أكثر عناصر الرواية تميزاً فضاء “المعسكر” فالمُعسكر هنا ليس مجرّد مكان مؤقت لإيواء النازحين.
إذ يقدّم الكاتب صورة مختلفة لهذا المعسكر؛ حيث يتحوّل إلى فضاء للحياة اليوميّة، تُقام فيه وُرش العمل، والأنشطة الثقافية، والرعاية الصحية، وحتى النقاشات الفكريّة والاجتماعيّة، هذه التفاصيل تمنح الرواية بُعداً اجتماعياً واضحاً، وتجعل المعسكر أقرب إلى نموذج مُصغّر للمجتمع السودانيّ نفسه، بما فيه من خبايا وأسرار وعلاقات ومقولات شعبية، تمثل شريحة مقتطعة من الحياة داخل هذا المجتمع.
من أجل ذلك طرحت إدارة المعسكر مُبادرة “الخلوة الشرعية” كضرورة نفسيّة واجتماعية للأزواج النازحين من أجل التقليل من آثار القلق، ما يعزز ذلك هو الفتوى الشرعية التي أيدت هذه المبادرة. فقد أبدى شيخ المعسكر مباركته للفكرة، معتبراً أنّ علاقة الحلال تساهم في إزالة آثار الحرب النفسية.
وبالفعل تم تخصيص فصل مدرسي بعيد عن العيون وتم تجهيزه بما يلزم في إطار الممكن، وبجدول زمني مُنظّم لجميع الأزواج، وتولّت النساء إدارة الحجوزات منعاً للإحراج.
لكنّ المُفارقة أنّ كلّ هذا التنظيم لا يُلغي شعور الشخصيات العميق بالاقتلاع، فالنازحون يعيشون حالة مؤقتة دائمة قلقة؛ أجسادهم في المعسكر، لكن أرواحهم معلقة في المدن والبيوت التي تركوها خلفهم، ولذلك يظلّ الحنين أحد أهمّ المشاعر المُسيطرة على الرواية كلّها.
المرأة في قلب المأساة
الكاتب لا يقدّم المرأة كضحيّة صامتة، بل كشخصية فاعلة، تحاول النجاة وإعادة تشكيل حياتها رغم الألم، وقسوة تجربة اللجوء.
شادية ليست فقط امرأة نازحة، بل نموذج لامرأة تحمل ذاكرة كاملة داخلها؛ ذاكرة الأسرة، والحبّ، والتعليم، والفقد، ومن خلال علاقتها بوالدها ووالدتها وزوجها وابنتها، تتكشف أبعاد نفسية وإنسانية متعددة، تجعل الشخصية نابضة بالحياة.
تبدو المرأة حاضرة وبقوة أيضا من خلال تتناول الرواية قضايا حساسة تتعلق بالعلاقة الزوجية داخل المعسكرات، وهي منطقة قلّما اقترب منها الأدب العربي المرتبط بالحروب والنزوح، وقد حاول الكاتب معالجة هذه القضايا بجرأة محسوبة، مقدماً الاحتياجات النفسية والعاطفية للإنسان بوصفها جزءاً من الكرامة الإنسانية، لا مجرّد ترف يمكن تجاهله أثناء الأزمات.
المجتمع السوداني حاضر في التفاصيل
تكشف الرواية أيضا عن ملامح المجتمع السوداني من خلال توظيف الكاتب لأدوات التعبير الشعبي والثقافي، مثل الحكاية، والمثل الشعبي، والفكاهة، والأغنية، في تصوير الإنسان السوداني خلال لحظة الحرب والنزوح، مع احتفاظه بروحه الاجتماعية والثقافية الأصيلة. فقد حضرت الأمثال والحِكم الشعبية بوصفها وسيلة لتفسير الحياة ومواجهة المآسي، كما في قول الراوي: «وظلم ذوي القربى أشدّ مرارة .. »، وهو تعبير يعكس قسوة الحرب الأهلية وخيانة الأقربين، إلى جانب عبارات مثل: «معظم النار من مستصغر الشرر» التي تجسد وعي المجتمع السوداني بخطورة الفتن الصغيرة وأثرها في تمزيق النسيج الاجتماعي. كما تبدو الحكاية جزءاً أصيلاً من البناء الثقافي للرواية؛ إذ تستعيد الشخصيات ذكرياتها العائلية داخل “البيت الكبير”، بما يحمله من علاقات ممتدة وقيم التكافل والحميمية والصراع الإنساني، في تجلّ لطبيعة المجتمع السوداني القائم على السرد الشفاهي والمجالس والسمر الجماعي، ورغم أجواء الحرب القاسية، حضرت الفكاهة السودانية بوصفها آلية مقاومة نفسية واجتماعية، حيث أشار السرد إلى أنه «جاء أحيانًا حمّالًا للفكاهة والطرفة»، كما تحمل تسمية «معسكر خمس نجوم» مفارقة ساخرة تكشف قدرة السودانيين على تحويل المأساة إلى سخرية تحفظ التوازن النفسي وتخفف من وطأة المعاناة، كذلك تحتل الأغنية مساحة وجدانية مهمة في الرواية، إذ تستدعي شادية أغنية تقول: «وأنا جاي من زمن الشقي… مرسوم على وجه الثواني مظللًا»، لتصبح الأغنية مرآة للحنين والاغتراب والانكسار، ودليلًا على ارتباط الوجدان السوداني بالغناء بوصفه وسيلة للتعبير عن الألم والصبر والأمل.
وإلى جانب ذلك، يبرز حضور التدين والتصوف الشعبي من خلال الدعاء وحلقات الذكر والإنشاد الصوفي، حيث تصف الرواية شادية وهي «تصدر منها همهمات و دندنات مثل الدراويش في النوبات وحلقات الذكر الصوفية»، بما يعكس عمق البعد الروحي في المجتمع السوداني ودور الدين في منح الناس السكينة في أوقات الأزمات، كما تتجلى قيم الكرم والتكافل الاجتماعي في استقبال النازحين ومساعدتهم، إذ تصف الرواية سكان مدينة سمسمة بأنهم «كانوا يستقبلون القادمين أجمل استقبال ويسقونهم ويعرضون عليهم المساعدة والاستضافة» وهي صورة تؤكد رسوخ قيم التضامن والنجدة في الوعي الجمعي السوداني، حتى في أحلك ظروف الحرب والنزوح.
بين الواقعية والخطاب الوعظي
رغم القيمة الإنسانية الواضحة للرواية، إلا أنها لا تخلو من بعض الملاحظات الفنية، فبعض الشخصيات تتحول أحياناً إلى منابر لشرح أفكار الكاتب، أكثر من كونها شخصيات تتحرك بحرية داخل العالم الروائي، وهذا يبطئ الإيقاع السردي في بعض الفصول.
ومع ذلك، فإن هذه المباشرة لا تلغي الصدق الإنساني الذي يميز الرواية، بل تبدو أحياناً انعكاساً لطبيعة المجتمع السوداني نفسه، حيث يمتزج الحكي بالنصيحة، والدراما بالتأمل الأخلاقي.
اللغة مشبعة بالشاعرية والحنين
لغة الرواية تميل بوضوح إلى الشاعرية، خصوصاً في المقاطع المرتبطة بالذاكرة والحنين. الكاتب يمتلك قدرة على رسم المشهد العاطفي بتفاصيل حسية دقيقة؛ رائحة الأشجار، أصوات الليل، الأغاني القديمة، وملامح البيوت المهجورة.
هذا البعد اللغوي يمنح النص طاقة وجدانية كبيرة، لكنه أحياناً يدفعه نحو الترهّل بسبب كثرة الوصف والاسترسال، ومع ذلك، فإن القارئ يشعر بأنّ هذه اللغة جزء من روح الرواية، لأن الشخصيات نفسها تعيش على الذكريات.
إنسانية تقاوم الخراب
الجانب الأهم في الرواية هو أن الشخصيات، رغم الخوف والفقد، إلا أنها تحاول دائما الحفاظ على إنسانيتها عبر الحبّ، والإيمان، والفكاهة، والتضامن اليومي.
حتى اللحظات الساخرة التي تتخلل الرواية تبدو وكأنها مقاومة خفية للموت. ولذلك تنجح الرواية في التقاط الروح السودانية التي تعرف كيف تواجه المأساة بالسخرية والصبر والدفء الإنساني.
في النهاية، تبدو سمسمة… مُعسكر خمس نجوم عملاً روائياً مهماً في سياق الكتابة عن الحرب السودانية الحديثة، لأنّها لا تكتفي بتوثيق المأساة، بل تحاول فهم أثرها العميق على الإنسان وعلاقاته وذاكرته.
قد لا تكون الرواية متحررة تماماً من المباشرة أو الإطالة، لكنها تمتلك ما هو أهم: الصدق، والقدرة على ملامسة الألم الإنساني الحقيقي، لقد استطاع محمد صديق محمد توم أن يكتب نصاً يحتفي بالحياة حتى وهي محاصرة بالخوف.
صدرت الرواية عام 2026
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* محمد صديق توم كاتب سوداني مقيم في ألمانيا
.





