حلب بوصفها جُرحاً مفتوحاً

في رواية  الغناء في الرابعة فجراً

للروائي السوري عبدو خليل

موسى الزعيم

تأتي رواية “الغناء في الرابعة فجرا”  في سياق سردي عربي انشغل خلال العقد الأخير بتجربة الحرب السورية، غير أنّها لا تتعامل مع الحرب بوصفها حدثاً عسكريّا فحسب، بل بوصفها حالة نفسيّة، تندسّ في الجسد واللغة والذاكرة، تترك ندوباً وجراحاً على الأرض وفي الوجدان.

الرواية لا تقدّم حكاية تقليدية ذات حبكة صاعدة وذروة وحلّ، بل تنسجُ فضاءً من التوتر الداخلي للشخصيات، تتجاور فيه شظايا الحياة اليومية وانكساراتها مع شظايا الرصاص، ويغدو الصوت _ صوت الغناء _ تحديداً أداة مقاومة في مواجهة العتمة والخوف.

يحمل العنوان مفارقة واضحة على صعيد الفعل والزمان “فالغناء” فعل حياة، بهجة، تعبير جمالي، و”الرابعة فجراً” لحظة خوف، وحدة، هشاشة، الجمع بينهما ينتجُ توتراً دلالياً يعكس جوهر الرواية.

من جهة أخرى  يطرح العنوان  سؤالاً ضمنياً إدهاشيا فمنذ عتبة القراءة الأولى ينجح  العنوان في وضع القارئ أمام فرضية   تُحيله إلى  التفكيك الدلالي  قبل الشروع بقراءة متون السرد، هل الغناء هي المعادل الضدّي  لساعة أذان الفجر؟! هل نحن أمام سياقين متعاكسين ” سياق الساهرين إلى الفجر، يغنون، وسياق من قصدوا المساجد في الرابعة فجراً، وبالتالي قد يفضي هذا التحليل ” ربما الشخصي” إلى اصطفاف سياسي عسكري بدا واضحا في سردية الحرب التي تشهدها المدينة.

 وهذا ما سنعرفه في القراءة ،حين نختار موقعا ثالثاً كما فعل أستاذ التاريخ  شكري الذي عطّل الزمن لصالح الترقب والصمت، مختاراً موقعه خارج ذلك الاصطفاف. 

لكننا  سنجد أيضاً أنّ الغناء في هذه اللحظة ليس احتفالاً، بل مقاومة، إنّه محاولة لترميم الذات قبل انبلاج النهار، الرابعة فجراً هي اللحظة التي يشتدّ فيها الصمت، ويصبح الصوت أكثر وضوحاً، وبالتالي العنوان إذن مفتاح القراءة ستكشف عن صوت يحاول النجاة في أكثر اللحظات عتمة، وبرداً وقسوة.

أمّا الشخصية المحورية  في الرواية هي الساردة/المغنّية، التي لا يركّز النص على اسمها بقدر ما يركّز على وعيها، هي بطلة داخلية بامتياز، تنحازُ إلى هواجسها ومخاوفها إلى كينونتها في الزمن الصعب؛ تتحرك في مساحة نفسية قلقة، يشكّل صوتها الغنائي امتدادا لهويتها المُهددة، وقد جاء اختيار راوٍ بضمير المتكلم، ليمنح النص طابع الاعتراف، ويجعل القارئ شريكاً في ارتجافات الجسد وتداعيات الخوف، رغم ما تحمله هذه التقنيّة السرديّة من قلق الكتابة ” كتابةُ الرّجل  بلسان الراوي المرأة”

من جهة أخرى تمثّل الأمّ الجذر العاطفي والتاريخي للساردة، حضورها لا يقتصرُ على كونها شخصية ثانوية، بل تتحول إلى مرآة للزمن السابق للحرب، وإلى خزان للذكريات الريفية وقصص الحبّ والخيبات، من خلال الأم، يربط الكاتب بين الخاص والعام بين مصير امرأة ومصير مدينة، إنّها شخصية واقعية، مُتعبة، لكنّها مُتماسكة، وتعمل كمرتكز أخلاقيّ في عالم يتفكك، وفي مدينة أنهكها الحصار والانشطار والخوف.

في الرواية تظهر شخصيات أخرى على مساحة السرد مثل الأستاذ (المدرّب الموسيقي)  الأستاذ شكري، مدرس التاريخ  الذي التزم بيته وأثر السلامة، ربيع من ذوي الاحتياجات الخاصة والذي تركز الرواية من خلاله على أكثر الناس هشاشة وتصدعا في الحرب، بالإضافة إلى  التصدعات التي نالت المراة من تلك الحرب فقد حفلت الرواية بالعديد من الشخصيات النسائية التي عاشت الخوف والترقب على نفسها وعلى من حولها.

في الرواية  يظهر بعض الجيران، ورجال الحيّ أو المسلحين، لكنها لا تُمنح أبعاداً سيكولوجية مُعمّقة  بل إن حضورها وظيفي في كثير من الأحيان، يضيء جانباً من تجربة الساردة: في الفنّ، الجسد، السلطة، الخوف، والعلاقة مع رجال الحرب بالتحديد، هذه التقنيّة تكرّس مركزية الوعي الفرديّ؛ فالعالم يُرى من منظورٍ واحدٍ، وتغدو الشخصيات الأخرى ظلالاً تتحرك في محيط الذات الفاعلة على متن السرد.

هذا الاختيار السردي يُحسب للرواية من جهة تركيزها، لكنه في الوقت نفسه قد يُشعر القارئ بغياب التعدد الصوتي. فالرواية تبقى أسيرة وعي واحد، وإن كان وعياً ثريّا في بيئة مضطربة.

من جانب آخر تظهر الرواية أثر الحرب على ذوي الاحتياجات الخاصة، قباحة التعامل من قبل جنود الحرب مع هذه الشخصية، رجال (حرشوف)  الذين  يمارسون أقبح الحالات القمعية ضدّ ربيع،  في محاولة اذلاله وترويعه على الحاجز ” يربطونه، يطلقون النار حوله، في ممارسات تعكس قبح الحرب، خلوّ الجنود  المتخندقين “طائفياً وايديولوجيا”  من أدني درجات الإنسانية،   لكن إصرار ربيع على فطريته ” حين ينادي حرية ..حرية” تعكس حالة التشبه بما هو فطري بشري  ” حرية”

الزمن في الرواية غير خطّي، في  تداخل مستمر بين الحاضر المشتعل بالحرب، والماضي الريفي، وذكريات الطفولة، ولحظات التدريب والغناء، كذلك يستخدم الكاتب تقنية الاسترجاع (الفلاش باك) وهي تقنية مركزية، تُستخدم لكسر ضغط الحاضر، ولخلق توازن بين العتمة والضوء وأحيانا تكشف عن مآلات الحاضر وأسبابه.

غير أن الزمن الأكثر حضوراً هو الليل، تتكرر المشاهد الليلية: أصوات الطائرات، الرصاص الطائش، القصف، القلق، الأرق. وتبلغ هذه الهيمنة ذروتها في لحظة  “الرابعة فجراً” وهي لحظة انتقالية بين ليل ونهار، بين موت مُحتمل ويوم جديد، الرابعة فجراً هنا ليست ساعة زمنية فحسب، بل حالة وجوديّة: أقصى درجات الهشاشة قبل انبثاق الضوء.

بهذا المعنى، يشتغل الزمن بوصفه عنصراً نفسياً، ضاغطاً، إنه زمن القلق، لا زمن الساعة، وهذه سمة واضحة في الرواية الحديثة التي تهتم بالخبرة الداخلية النفسية وانعكاس الواقع على الشخصيات أكثر من تسلسل الأحداث.

حلب بوصفها جُرحاً مفتوحاً

في  الرواية تُذكر المدينة دائماً تصريحاً، ومن خلال الإشارات المتكررة إلى أحيائها وانقسامها وحواجزها وقصفها، تجعل القارئ يدرك أننا أمام  مدينة مكسورة  في زمن الحرب، المدينة ليست خلفية محايدة؛ إنها شخصية كبرى في النص،  المدينة  التي قسمت إلى شرقية وغربية، إلى مناطق آمنة وأخرى مشتعلة، إلى شوارع مأهولة وأخرى مهجورة.

تستند الرواية إلى أمكنة معروفة في المدينة تتحرك فيها الساردة ”  حيّ الجدَيْدة، شارع التلل، ساحة الحطب، كنيسة مار لياس، قلاية الموارنة، ترصد عين  الساردة كيف امتدت الحرب إلى هذه الأمكنة المعروفة بتمازجها الإثني، وهي مثالٌ جيّد على حُسن التعايش والتآلف المجتمعي الاقتصادي والثقافي “

راحت الحرب تقطع أوصال المدينة، تعزل مركزها التجاري عن المحيط، ألتبسَ الأمر بالخوف على الداخل والخارج من كل مَن مرّ من برزخ القناص المترصّد بشهوة القتل على ظهر القصر البلدي ..

صار الناس  يعبرون من فتحات حفروها في جدران البيوت والأزقة المواربة، باتجاه البحث عن الماء والأمان والخبز.

أما الأحداث التي هزّت السادرة مباشرة فتبدأ من البيت، من المطبخ حين تخترق رصاصة طائشة النافذة، كادت تودي بحياتها، والعمارة ذات الجيران الغامضين، كلها أمكنة مغلقة، تعكس  قبح الحصار، في حين أن الشارع، يمثل الفضاء المكشوف للخطر، بينما  تشكّل الرصاصة جرس الإنذار، أو لحظة الصحوة  لإعادة بناء سرية حياة الساردة.

والخوف يتوزع  دائما في كلّ مكان في عيون المارة، والجنود ،القبو، الحديقة، العيادة، قاعة التدريب، النادي الليلي، أمكنة يتوزع فيها الخوف  بقدر ما تتوزع الحياة.

ثنائية الداخل/الخارج حاسمة هنا: الداخل ليس آمناً تماماً، والخارج كذلك  فالمكان ليس حيّزاً طبيعياً للحركة، المكان مشروخ، مثل الشخصيات، وبهذا تتحول حلب من جغرافيا إلى حالة نفسية: مدينة تسكن في الأعصاب، لا في الخرائط، مدينة  القلق والترقب، مدينة طاردة لأهلها نحو فضاءات الأمان والهجرة.

الحرب من الحدث إلى الأثر

الرواية لا تصف المعارك بوصفها وقائع عسكرية مفصلة، بل تركز على أثر الحرب في الحياة اليومية، الرصاصة الطائشة التي تدخل المطبخ مثال دال: على أن الحرب تتسلل إلى أدقّ تفاصيل العيش، إلى حوض الجلي، إلى الشمعة، إلى الجسد.

الحرب في الرواية تفكيك العائلات، للأمكنة، للأبنية، هي اختراق المألوف، تشتيت للمجتمع والأسرة، انقسام وتشظّي، إنها لا تُقدَّم خطاباً أيديولوجيا، بل: خوف، جوع، تعب، حنين، وانتكاس باتجاه الكينونة الصغرى ” طائفة، عشيرة، اثنية..”

يحسب للرواية أنها تتجنب المباشرة السياسية، لكنها في المقابل  تقدم تحليلاً عميقاً للبنية الاجتماعية  في لحرب، و هي  رواية أثر لا رواية تفسير، وهذا خيار فني واضح: التركيز على الفرد في مواجهة العاصفة.

قلق اللغة

من المعروف عن الروائي عبدو خليل اشتغاله على  لغة السرد، ما يميز عمله السابق “شارع  بارون” اللغة المشبعة بالوصف الدقيق إذ يخوض في التفاصيل التي تخدم متن السرد في حيّز مكاني هو خبير به تماماً ” قلب حلب المدينة”، وهنا أيضا جاءت اللغة، كثيفة، مشبعة بالصور والاستعارات، وهناك انشغال واضح بالتعبير الحسّي: ارتجاف الأصابع، رائحة الرطوبة، صوت المطر، لمعان الرصاصة، صرير الأبواب، وصف الشخصيات الداخلي والخارجي، الجسد حاضر وبقوة،   الخطوط  في بلاط الرصيف  شجرات الياسمين، الصدرية المعلقة على حبل الغسيل” كأن اللغة تريد أن تلمس الأشياء لا أن تسميها فقط، اللغة مشغولة بالتفاصيل التي تظهر الأثر على الأشياء، ترصد كتابات الاصطفاف السياسي  أو الطائفي على الجدران ، أو كتابات ” من هنا مرّ…”

هذا الطابع اللغوي يمنح النص خصوصيته، لكنه أحياناً يقترب من التُخمة البلاغية، بعض المقاطع تميل إلى الإطالة في الوصف الداخلي، ما قد يبطئ الإيقاع السردي، غير أنّ هذا البطء نفسه يعكس حالة الترقب والقلق والانتظار التي تعيشها شخصيات  الرواية. 

اللغة هنا ليست أداة نقل، بل جزء من التجربة، إنها لغة قلق، متقطعة أحيانا، مندفعة أحياناً أخرى، كما لو أنها تحاكي تنفسا مضطرباً. أحيانا توثق الحكاية وتطعمها بلغة محكية محلية من خلال شتيمة قصيرة أو زفرة وجع.

تعتمد الرواية على السرد بضمير المتكلم، وعلى تقنية تيار الوعي في بعض المقاطع، تتداخل الأزمنة، و تتشظى المشاهد، ولا تُقدَّم الأحداثُ بترتيب منطقي صارم، هذه التقنية تعكس الفوضى الداخلية التي تفرضها الحرب.

هناك أيضاً توظيف لثيمة التكرار: تكرار الليل، تكرار الخوف، تكرار السؤال، التكرار هنا ليس عجزاً، بل بنية؛ تحاكي دوران الحياة في حلقة مغلقة زمن الحصار.

كما يوظف الكاتب التناوب بين مشاهد الحرب ومشاهد الغناء، مشاهد الذاكرة والريف في عين العرب والحاضر القلق في حلب، هذا التناوب يخلق إيقاعاً خاصاً، إيقاع ضدّي يؤسس لتوتر دائم بين الموت والحياة، بين الضجيج والصوت الفني المنظم. مواجهة الخوف  بالغناء.

هل كانت الحرب لعبة؟!  جاء في عنوان الفصل الأخير من الرواية  ” نهاية اللعبة”  لتؤكد عبثية الحرب الطاردة لأهل المدينة، الأستاذ شكري  “رمز التاريخ” نبشت قبره الكلاب  الضالة، وربيع ذاب كالثلج، بينما تعتزم الساردة وغيرها  الرحيل حتى لو مشت على النار.. 

“الغناء في الرابعة فجراً رواية تشتغل على الحافة: حافة الليل، حافة الصوت، حافة الحياة، قوتها تكمن في صدق تجربتها النفسية، وفي قدرتها على تحويل الحرب من حدث خارجي إلى زلزال داخلي، تظل عملًا ينجح في الإمساك بلحظة سورية مؤلمة عبر منظور إنساني حميم.

إنها رواية عن حلب، نعم، لكنها أيضاً رواية عن الإنسان حين يُحاصر بالخوف ولا يملك سوى صوته، وفي هذا الصوت، في الرابعة فجراً تحديدًا، يكمن جوهر المقاومة الهادئة التي تقترحها الرواية.

تقع الرواية  في 290 صفحة  وقد صدرت مؤخراً عن دار مصر العربية  للطباعة والنشر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـ عبدو خليل كاتب سوري مقيم في المانيا