المهاجرون .. كبش الفداء
ـ ثقافة السوق فرضت نفسها وأجهضت إلى حدّ كبير الحركة الفكرية
ـ أوروبا لم تعد تلك التي عرفناها سابقًا، كثير من المفاهيم تغيّرت
ـ نلاحظ تضييقًا متزايدًا على الحريات وصعودًا للحركات اليمينية المتطرفة
.
لقاء مع الشاعر العراقي جميل الساعدي
.
.أجرى الحوار: عبير حميد مناجد
سؤال: برأيك، هل يمكن الحديث اليوم عن وجود حركة فكرية وثقافية عربية فاعلة ومؤثرة؟
جواب: نعم، يمكن القول إن هناك حركة فكرية، لكنها في الفترة الأخيرة أصبحت خاضعة لهيمنة ما يُسمّى بثقافة السوق. فوسائل الإعلام، للأسف، لم تعد تشجّع أو تفسح المجال للثقافات التي تتعارض مع مفاهيم السوق.
انتشار الأدب والثقافة بات مرتبطًا بالنشر ووسائل الإعلام المرئية وغير المرئية، أي بمدى قدرة الفكرة على الوصول، لكن ما حدث هو أن ثقافة السوق فرضت نفسها وأجهضت إلى حدّ كبير الحركة الفكرية، خصوصًا إذا نظرنا إلى أوروبا وخارجها.
نلاحظ اليوم غياب التوازن؛ فلا يوجد توازٍ بين التطور على الصعيد المادي من جهة، والتطور على الصعيد الثقافي والفكري والقيمي من جهة أخرى. هناك اختلال واضح، وانحياز أحادي الجانب نحو المادة.
نعم، هذا واضح.
إضافة إلى ذلك، لاحظتُ أن أوروبا لم تعد تلك التي عرفناها سابقًا. كثير من المفاهيم تغيّرت، حتى مفاهيم الديمقراطية والحرية. بدأ نوع من التنصّل منها بطرق غير محسوسة، لكنها في النهاية تؤدي إلى فقدان الإنسان جزءًا كبيرًا من حريته، بسبب التضييق وكثرة القوانين. بدأنا نرى تآكلًا في الأنظمة التي كانت معروفة في أوروبا، مثل حرية التعبير، وحقوق الإنسان، وخصوصية الفرد.
خصوصًا مع صعود الحركات الشعبوية، مثل حزب “البديل” في ألمانيا، حيث باتت هناك نزعة إلى تحميل “الآخر” مسؤولية تردّي الأوضاع. وفي الأزمات الاقتصادية دائمًا ما يُبحث عن كبش فداء، وغالبًا ما يكون من الفئات الأضعف.
في الألمانية يُستخدم مصطلح Sündenbock، أي “كبش الفداء”.
اليوم، سواء في ألمانيا أو في دول أوروبية أخرى، نلاحظ تضييقًا متزايدًا على الحريات وصعودًا للحركات اليمينية المتطرفة. وهذا، بصراحة، يقود إلى كارثة، وأنا لا أتحدث هنا كمهاجر أو كإنسان أجنبي، بل عن الشعوب الأوروبية نفسها.
عدم إفساح المجال للرأي الآخر، ومحاولة شيطنة الأفكار المخالفة، سيقود إلى مجتمعات منغلقة، وإلى صعود نوع من الديكتاتورية، قد تكون أسوأ من ديكتاتوريات العالم الثالث.
سؤال: أستاذ جميل، ما الحل إذن؟ هل هناك ضوء في نهاية النفق؟
جواب: الأمل موجود دائمًا. الحل يكمن في المثقفين والمفكرين أنفسهم، إذ يجب أن ينهضوا بدورهم في نشر الفكر وخلق الوعي.
خصوصًا أن وسائل التواصل الاجتماعي متاحة، ومجانية، وتحت سيطرة الأفراد. هناك مجال حقيقي أمام المثقفين لخلق وعي حقيقي وسدّ الطريق أمام ما أراه جهلًا سياسيًا.
برأيي، الحركات المتطرفة هي نتيجة جهل وضيق أفق وعدم نضج. فالمثقف الحقيقي، والإنسان الذي يتبنى فكرًا إنسانيًا، من المستحيل أن يكون متطرفًا أو أن يضطهد الآخرين.
التطرف نتيجة قصور في الوعي، ومع الأسف نرى أن كثيرًا من الأحزاب السياسية مليئة بمستويات غير مؤهلة للقيادة، حتى في أكبر الدول. وغالبًا ما يكون من يقود التطرف أشخاصًا لا يفهمون الثقافات الأخرى ولا يحترمون الأديان المختلفة.
سؤال: بعض المثقفين العرب من الرواد اليوم يبدو أنهم منغلقون ومنعزلون، وقد قطعوا جسور التواصل مع الأجيال اللاحقة. هل هو فقدان إيمان بالأجيال، أم تعب، أم خوف؟
جواب: أعتقد أن السبب هو الخوف واليأس. القبضة الحديدية الخانقة أجهضت كثيرًا من المحاولات، كما أن اليأس من التغيير للأفضل لعب دورًا كبيرًا، إذ شهدنا حركات عديدة أُجهضت. غاب التوازن، وأحيانًا تأتي جهة تحاول التغيير لكنها مع الوقت تقع في المطبات نفسها.
بعد الحرب العالمية الثانية، في ألمانيا مثلًا، كان هناك مفكرون واعون، وحاولوا إيجاد طريق وسط بين المعسكرات المتصارعة، ونجحوا إلى حدّ ما. السؤال اليوم: هل يمكننا إيجاد هذا الطريق الوسط بين أقصى اليمين وأقصى اليسار؟
برأيي، المشكلة تكمن في غياب مفكرين بالمستوى المطلوب، لأن الحركات السياسية الحالية أقصت المثقفين، إذ تعتبر الفكر والثقافة عبئًا، رغم أن التغيير الحقيقي يأتي منهما.
في السابق، كانت الأحزاب تضم مفكرين يحاولون إيجاد حلول وسط للحفاظ على المجتمعات، أما اليوم فالعالم يسير نحو التطرف، والأزمات والحروب تتكاثر، والمستقبل بات مجهولًا، ما يخلق قلقًا ومخاوف على مصير البشرية.
المشكلة أن من يقود النظام العالمي اليوم أشخاص مغامرون، سطحيون، وماديون. قد يأتي رئيس دولة يعمل في مجال العقارات، فينظر إلى العالم كله كصفقة ربح وخسارة، دون فهم لحضارات الشعوب أو لاحتياجاتها الاجتماعية.
سؤال: أستاذ جميل هل أنت على تواصل مع الوطن؟ وكيف ترى الحركة الثقافية هناك؟
جواب: نعم، هناك حركة ثقافية، لكنها متباطئة ومتراجعة مقارنة بما كان عليه الوضع في السبعينيات. توجد محاولات، لكنها لا تشبه الزخم الثقافي الذي كنا نعيشه آنذاك.
سؤال: هل زرت العراق مؤخرًا؟
جواب: نعم، زرته قبل فترة قصيرة. زرت شارع المتنبي وسوق السراي. للأسف، كنت في منطقة بعيدة عن بغداد، لكن في زيارتي الأولى ذهبت إلى هناك.
أتذكر أن بغداد كانت أجمل في السابق، وشارع الرشيد لم يعد كما كان. كنا نشتري الكتب، خصوصًا الإنجليزية، من مكتبات معروفة مثل “أورزدي باك”، التي كانت توفر ترجمات وأعمالًا أدبية مهمة، مثل أعمال جون كيتس ووردزورث.

سؤال: أستاذ جميل .. هل ممكن أن تعرف نفسك لقراء الدليل؟
جواب: جميل حسين الساعدي ولدت في بغداد، كتب الشعر صغيراً ولم أبلغ الرابعة عشر بعد ونشرت العديد من القصائد في الصحف العراقية المعروفة حتى لقّبت بالجواهري الصغير.
أخذت الجائزة الأولى في مسابقة أجرتها ثانويات القطر العراقي عام 1969.
صدر ديواني الشعري الأول “اللواهب” عن دار الحوادث في بغداد عام 1975
شاركت في العديد من المهرجانات الشعرية المحلية وأصبحت عضواً في اتحاد الأدباء العراقيين.
صدر ديواني الشعري الثاني “رسائل من وراء الحدود” في بيروت عام 1980 عن دار المعارف، ترجم إلى اللغة الألمانية ومنها إلى البولونية عام 1982.
حصلت عام 1988 على شهادة الماجستير في الأدب الألماني في الجامعة الحرة ـ برلين.
صدرت الطبعة الأولى من روايتي “تركة لاعب الكريات الزجاجية” باللغة الألمانية عام 1990 عن دار النشر إيرلن فلاك، وباللغة العربية عام 1995 عن دار برديات.
كما نشرت المجموعة الشعرية ” اناشيد زورق” الصادرة من كبريات دور النشر في بيروت وأيضا صدرت لي المجموعة الشعرية الوحيدة بالشعر الحر، والتفعيلة وتمت ترجمتها للغة الالمانية والبولونية وهذه نسخ منها ـ وقدم لنا نسخ قديمة بدون غلاف ، قال عنها: كتبتها في سنة 75 وتضم بواكير موهبتي الشعرية في العراق عندما كنت في الرابعة عشر وحتى سن العشرين.
وعندي ترجمات عديدة منها ترجمة لأشعار مقفاة وموزونة منها لأمير الشعر الغنائي الألماني ـ كما يسميه الألمان ـ هاينرش هاينه وترجمت أيضا لهيرمان هسه والعديد من الشعراء الألمان القدماء، وترجمت لشعراء برتغاليين من اللغة البرتغالية الى العربية لأنني أجيد اللغة البرتغالية ولدي مجموعة شعرية تمت ترجمتها ونشرها و صدرت من بيروت وفي رصيده العديد من المقابلات الصحفية في الصحف والمجلات الألمانية والبولونية .
لدي مجموعات شعرية عدة، منها:
أناشيد زورق – صدرت عن دار غريب، فواتير من ستر الغربة، ومجموعة شعرية صدرت في بيروت، وهي الوحيدة التي كُتبت على شعر التفعيلة، وقد تُرجمت إلى الألمانية والبولونية. أما باقي شعري فهو شعر عمودي كلاسيكي.
لدي أيضًا ترجمات من الأدب الألماني، منها ترجمة فاوست لغوته ترجمة شعرية موزونة، وترجمات لشعراء ألمان كبار، وكذلك ترجمات من الشعر البرتغالي.
سؤال: هل لديك كلمة أخيرة تود توجيهها لقراء “الدليل”؟
جواب: كلمتي الأخيرة هي أن الإنسان يجب ألا ييأس، فالأمل موجود دائمًا. وهذا الأمل يتحقق من خلال تطوير الوعي، ونشر الكلمة الحرة، ونقل الحقيقة بصدق ومن دون خوف، مع الالتزام بالأمانة الفكرية.
أعتقد أن هذا واجب كل المثقفين، سواء في ألمانيا أو في أي مكان آخر، من عرب وغير عرب، من أجل مصلحة الجميع.
شكرًا جزيلًا، سعدنا كثيرًا بهذا اللقاء.
وأنا أيضًا، شكرًا لكم.
.





