الثابت والمتحرك في تشكيل حكومة الأربعة

د. أمير حمد

 

لا نعتقد بأن ثمة قضية راهنة وحاسمة لدى الأحزاب الألمانية بل والشعب الألماني عموما كقضية اللاجئين، هل ستنجح ميركل بالفعل من توليف الأحزاب الأربعة لإدارة ألمانيا، رغم تفاوتها بل وتضاربها في قضية اللاجئين؟

كل العالم ينظر إلى ألمانيا وهي تشق طريقا وعرا لتشكيل حكومة متزنة، وهل ستظل ميركل حاكمة لأربع دورات.

لم يكن متوقعا اتفاق حزبي CSU المسيحي الاجتماعي وحزب الخضر في قضية اللاجئين وكذلك البيئة، فحزب الخضر حزب يحافظ على البيئة بأي شكل كان وحتى إن كان ذلك ضد الاستثمار والعجلة الصناعية، شركات السيارات مثلا.  يقول متحدث هذا الحزب بأن إيقاف استخلاص الفحم الحجري يقلص نسبة تصاعد الغازات السامة والمضرة للبيئة وعليه ظلت مطالب هذا الحزب مغايرة تماما لحزب CSU والحزب الليبرالي FDP  الواقفان مع شركات السيارات والاستثمار لأجل توسيع سوق العمل والحفاظ على نسبة التشغيل وتقليص البطالة بألمانيا. أما موضوع اللاجئين الذي نحن بصدده في هذا المقال فتمركزت في نقطتين: ـ إيقاف لم شمل اللاجئين وتحديد نسبتهم 200 ألف لاجئ في العام، على النقيض تماما من حزب الخضر الداعي إلى فتح الأبواب للاجئين بدون نسبة ولم شملهم ليسهل دمجهم في منأى عن النزاع النفسي والتشتت، يظل الحزب المسيحي الاجتماعي ضد هذا التوجه إذ يطالب بنسبة 200 ألف لاجئ في العام لا غير، وإن أمكن وفقا لنظام النقاط الكندي القائم على استقطاب الكوادر المؤهلة والانجاز كما أنه يرفض لم الشمل إذ يعتبره زيادة في نسبة اللاجئين كما أنه لا يضمن هويتهم الحقيقية وتحولاتهم السياسية الراهنة كأن يكونوا إرهابيين مثلا وبهويات مزورة …

ومما عزز موقف CSU هذا في قضية اللاجئين هو هروب 30 ألف لاجئ قبل أن يتم تسجيلهم. من المعلوم بأن تعداد اللاجئين بألمانيا تجاوز 1.6 مليون لاجئ وأن تركيا لوحدها تستقطب أكثر من 360 ألف لاجئ.

يقول مدير الشرطة البرليني بأن كثافة وتعطيل إجراءات اللجوء وقلة الموظفين المدعومين والناشطين الطوعيين أدت إلى عدم التدقيق في طلباتهم وهوياتهم ومتابعتهم لحين البث في طلباتهم. يقول لا نستغرب هروب 30 ألف لاجئ في الفترة الأخيرة فطقس العمل المنوط بدخولهم ألمانيا وفحص طلباتهم قاصر في كثير من الأوجه كالتي تم ذكرها سابقا.

أما الحزب الليبرالي fdp فقد صرح بأنه لا يهاب انتخابات جديدة لاحتدام وتباين سياسة حزبه الخاصة بالبيئة واللاجئين أي تطبيق نظام النقاط الكندي القائم على مقدرات وتأهيل الوافدين الأجانب لا الأسباب الإنسانية بادئ ذي بدء، أما حزب الخضر نفسه فقد واجه نقدا حادا من شرودر المستشار السابق من حزب SPD  الاشتراكي الديمقراطي الذي حكم ألمانيا في تحالف مع حزب الخضر .. يقول شرودر بأن حزب الخضر لا يتفق في الأساس مع هذا التحالف اليميني ولا يمثل إلا لقمة سائغة لميركل لتظل على سدة الحكم. رد باحث سياسي على شرودر بأنه ازدواجي ومنفعي إذ يتمتع بمهام شركة نفط روسية وصديق للدكتاتور بوتين هذا كما أن حزبه SPD لا يتفق مع الخضر في قضية البيئة إذ يطالب إلى جانب CDU بالبقاء على استخلاص الفحم الحجري للحفاظ على سوق العمل إلى أن تتوسع الطاقة البديلة لسد مشروع الطاقة والحفاظ على الأيدي العاملة. أما الخضر فيروا بأن الوقت قد حان لدعم الطاقة البديلة والاعتماد عليها خاصة بعد توقيع ألمانيا على اتفاقية باريس للبيئة بون بتاريخ 6/11/2017.   

يقول متحدث حزب الخضر بأن أزمة البيئة عامل حاسم كذلك هجرة اللاجئين ومبارحتهم لمواطنهم لارتفاع نسبة الغازات السامة لاسيما في الدول الغنية ـ أوروبا وأمريكا، ويواصل قائلا بأنه تضخم الأحزاب اليمينية الرافضة للاجئين كالحزب اليميني النمساوي الحاكم لا يأتي بحلول جذرية لإيقاف هجرة اللاجئين كدعم دولهم وإقامة المشاريع الناجحة ومكافحة البطالة والأمية مثلا. يقول بأن كل ما يفعله اليمين المتطرف لا يتجاوز بناء الجدران الحاجزة وتشييد الأسلاك والترويج بين المواطنين الأوروبيين بخطورة الإسلام وربط اللاجئين بالإرهاب واستنزاف الخزينة الاجتماعية.

 

أحزاب وآراء

لم يكن متوقعا في محادثات برنامج تحالف الأحزاب الأربعة أن يتراجع حزب الخضر عن برنامجه الخاص بالبيئة بتقليص نسبة ثاني أكسيد الكربون أي 40% وإيقاف المفاعل النووية لتوليد الطاقة وتحديث السيارات بما يوافق تقليص نسبة الغازات السامة. حدث هذا اثر أن هدد الحزب الليبرالي بالخروج من التحالف لأنه لا يمكن تنفيذ برنامج الخضر فورا لاعتماد ألمانيا على الطاقة التقليدية وأن أي تغيير يحدث لتقليص الطاقة هذه يعني الهدم التدريجي لرفاهية ألمانيا. ما يهمنا هنا هو أن حزب الخضر تقدم بتنازله ـ التدرج في التخلص من الطاقة التقليدية مقابل أن يكسب أصوات الموافقة على برنامج لم شمل أسر اللاجئين ـ كما يطالب الحزب. ومثلما يتعارض حزب FDP الليبرالي مع برنامج الخضر الخاص باللاجئين يتعارض بشدة كذلك مع حزب CSU. يقول زيهوفر رئيس الحزب بأن لم شمل أسر اللاجئين يعني زيادة تعداد نسبهم وإرهاق ألمانيا بالتالي ماديا وأمنيا بل ويهدد من منظومتها الاجتماعية والدينية.

 

أيظل الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD منهمكا في تكوين برنامجه من جديد أو بالأحرى ميل الحزب إلى اليسار أكثر ورغبة تضامنهم مع حزب اليسار المنشق منه. يقول مارتن شولتس رئيس الحزب بأن حزبه بحاجة إلى الرجوع إلى قواعده ، مساواة الفرص، قضايا اللاجئين والأجانب وأوروبا ـ ظلت ميركل راغبة في تواصل التحالف مع حزب SPD لانسجامهما في السياسة، إلا أن خسارة حزب SPD 20% فقط ألزمته أن يكون معارضا وأن يعيد ويصحح برنامجه. يقول شولتس بأن حزبه المعارض لن يتوقف عن الدفاع عن حقوق اللاجئين وإخراس حزب AFD اليميني المحتج بلا منطقية والمستند على الشعارات الجاهزة.

 

أخيرا تطل قضية لم شمل اللاجئين مطلب شرعي وإنساني يحقق اندماجهم وتحفيزهم على العمل والانجاز داخل ألمانيا التي بحوجة لهم كسد نقصها الديمغرافي وسوق العمل وعلى صعيد رعاية العجزة والمطاعم والحقول والأعمال اليدوية مثلا. بالرغم من رفض حزب CSU للأجانب بحجة الخوف من أسلمة ألمانيا وتحطيم منظومتها الاجتماعية ومطلبه بالتالي ألا يتجاوز عددهم 200 ألف لاجئ سنويا، إنه حزب اجتماعي يولي الأسرة أولى اهتماماته ويرى فيها البذرة الأولى الطبيعية والميلاد وتشكيل مجتمع سليم. إلا أن حزب CSU ضرب بهذه الرؤية والمنهج السياسي عرض الحائط إذ لم يطبقها على مجتمع اللاجئين المحتاج إلى لم الشمل. يقول زيهوفر رئيس الحزب بأن أسر اللاجئين يعني هجرة جديدة، وهذا ما حدث للأتراك بعد الحرب العالمية الثانية إذ أدخلتهم ألمانيا كأيدي عاملة إلا أنهم أتوا بأسرهم عن بكرة أبيها؟ بهذا تتضح ازدواجية هذا الحزب المسمى بالحزب المسيحي الاجتماعي إذ يطبق نظم الأسرة والدفاع عنها على الأسر الألمانية ويروج للثقافة الألمانية الرائدة ويرفض في ذات الوقت لم شمل اللاجئين ويلزمهم بإتباع الثقافة والفكر الألماني بل ويشكك في سلمية الإسلام واحترامه للمرأة والأسرة!

 

بعد أن فاز حزب AFD البديل في الانتخابات البرلمانية ومثل الحزب الثالث في البرلمان الألماني تضافرت الأحزاب الحاكمة وأحزاب المعارضة معا بألا تتحالف معه إذ هو حزب متطرف، محتج ومستند إلى شعارات لتحفيز الألمان على كره الأجانب و اللاجئين وإيقاف هجرتهم إلى ألمانيا وطرد أكبر عدد منهم. هنا برز حزب CSU وكذلك CDU كحزبين منضبطين يوجهان سياسة اللاجئين تحت القيادة الألمانية وثقافتها الرائدة. بهذا سحب البساط من تحت حزب AFD. اقترح حزب CDU تطبيق عقوبة السجن والطرد على أسوأ الفروض لكل لاجئ يزور أسمه وعمره. جاء هذا الاقتراح “مشروع قرار قادم، اثر التحري عن ملف أنيس عمري اللاجئ التونسي الذي زور هويته 11 مرة واستطاع أن يراوغ البوليس والمخابرات الألمانية إلى أن أجرى عمليته الإرهابية ـ قتل 102 ألماني وإصابة الكثير بجروح خطيرة ـ، ومن جانب آخر صرح حزب SPD المعارض بأن تكثيف إجراءات عقوبة اللاجئين لن يقيد ويغير كثير من الجرائم والتزوير لتداخلهم مع جنسيات عدة وتمرسهم على مشقة الحياة وكيفية التخلص منها، كذا اقترح حزب SPD السماح بدخول 90 ألف لاجئ سنويا وفقا لقانون النقاط الكندي ـ العمر والمؤهلات ـ هذا كما احتج هذا الحزب على رفض حزب CSU للم شمل اللاجئين لتصعيده لتعدادهم. يقول متحدث حزبSPD  بأنه يمكن تحديد نسبة 200 ألف لاجئ سنويا إضافة إلى تعداد أسر اللاجئين، يقول موضحا بأنه لا يمكن أن يعيش اللاجئ دون أسرته وأن هذا أغرب ما يكون بالحصر اللاانساني، جاء من حزب CSU / المسيحي الاشتراكي تسمية لا تتوافق البتة مع سياسته وتعامله مع الأجانب لاسيما المستضعفين منهم كالأجانب.

 

جاء في دراسات إحدى دراسات مركز البحوث السياسية الألمانية بأن الشعب الألماني في الفترة الأخيرة ازداد احتياطا من الأحزاب السياسية لكونها متقلبة: تعلق المواطنين ببرنامج محدد وما أن فازت أهملته واعتذرت بأسباب واهية، مثال هنا حزب الخضر الذي وافق على برنامج البيئة لحزب CDU ، لا جدوى من تحديد موعد لإيقاف طاقة الفحم الحجري وإغلاق  مفاعل الطاقة النووية. كان وقد حدد حزب الخضر عام 2030 أقصى موعد للخروج من الطاقة الراهنة إلى الطاقة الجديدة وتحديث موتورات السيارات لتقليص نسبة ثاني أكسيد الكربون وزج السيارات الكهربائية في خط السير. ترك حزب الخضر المطالبة بهذا التاريخ لأجل إنجاح اشتراكه في التحالف وخرج بالتالي عن وعده للمواطنين بل وقاعدته بالحزب. توقع الكثير إثناء حزب الخضر عن دفاعه عن اللاجئين، لاسيما وأن جزء كبير من أعضائه قد وافق على برنامج النقاط الكندي في منأى عن الجانب الإنساني لتقبل اللاجئين!!

 

يقول “لندر” رئيس حزب FDP بأن الخضر فكروا سلميا في الأمر بعد أن تركوا التمسك بالخيال واللامعقول، يقول كيف يمكن لألمانيا أن تظل دولة رفاهية بلا مصادر طاقة جيدة وليس طاقة مستوردة رديئة كالفحم الحجري البولندي، ويواصل قائلا أنه قد حان الوقت لإيقاف دعم اليونان ودول جنوب أوروبا من الميزانية الألمانية، فاليونان لم تستفد من المساعدات التي قدمت لها كما فعلت اسبانيا وأن وجود اللاجئين فيها ليس مسؤولية ألمانيا لوحدها.

هنا تقرع أجراس الخطر والاستنكار والرفض، ليس من قبل حزب الخضر وحده بل من حزب CDU الحاكم وماكرون رئيس فرنسا الذي يخطط لمساعدة دول جنوب أوروبا بموافقة ميركل نفسها. نعم نعود ونذكر بأنه كان من الأفضل لميركل حكومة أقلية مع حزب CSU لعدم تناسق وتقارب برامج الأحزاب المشاركة في هذا التحالف أقصى اليمين CSU إلى اليسار كحزب الخضر. يقول محلل سياسي ألماني في إذاعة فنك بأن طول المباحثات هذه لا يعني سوى قصر فترة الحكم القادمة، ربما تأتي حكومة الأقلية أو تعاد الانتخابات من جديد.

 

هنا يجب الإشادة بدور ولاية برلين الفقيرة المدانة بـ 60 مليون يورو بتبنيها لأكبر نسبة لاجئين 350 ألف لاجئ فيما استقطبت الـ 15 ولاية الأخرى نسب قليلة جدا مقارنة بنسبة برلين. رغم الاتفاقية المبرمة مع تركيا لتقليص نسبة هجرة اللاجئين إلى أوروبا وألمانيا قررا ألا تدخل تركيا في الرابطة الأوروبية لاستبداد أردوغان وسجنه لعدد من الألمان ورفضه لزيارة وتفقد الجنود الألمان في تركيا. نقول هذا مذكرين بأن أردوغان مستفيد من الدعم المقدم له لاستقطاب اللاجئين في تركيا، أما ألمانيا فغير مكترثة كما يبدو لاحتمال إلغاء اردوغان لاتفاقية اللاجئين وفتح باب هجرة سرية جديدة، نعم غير مكترثة لأن وقوفها ضد دمج تركيا في الرابطة الأوروبية وتشويه العلاقة معها ضرر لكل من الدولتين، لذا نجد أن مطالب حزب الخضر بتحسين العلاقة معها والتمهيد لها تدريجيا للاشتراك في الرابطة الأوروبية مطالب دبلوماسية رشيدة قائمة على الحوار السلمي المتبادل.

نعم لقد سب وشتم أوردوغان رئيس حزب الخضر أوزدمير التركي الأصل لوقوفه مع السياسة الألمانية واتهامها لتركيا في مذبحة الأرمن إلا أن أوزدمير ظل منطقيا غير منفعلا  مثل أردوغان إذ رأى أنه من الأحرى تجاوز هذا الخلاف وأن تدرج تركيا في الرابطة الأوروبية لاستفادة الدولتين كما ذكرنا، لاسيما في قضية اللاجئين الراهنة وألا تتجه تركيا إلى روسيا تاركة الرابطة الأوروبية خلفها.

نشير في آخر هذا المقال إلى أن تحالف جامايكا هذا لحكم ألمانيا في الدورة القادمة 4 سنوات تحالف بمثابة زواج مغصوب، وبالرغم من ذلك لا بديل له لأن انتخابات جديدة لن تأتي إلا به فحزب SPD ضعيف لا يختلف عن نظيره باليونان الذي خسر نتيجة تبنيه لسياسة ميركل التقشفية. هذا كما أن خروج إنجلترا من الرابطة في مارس العام القادم سيلزم ألمانيا بسد العجز في ميزانية الرابطة بما لا يقل عن 1.8 مليار يورو. وهذا يعني دخول ألمانيا معركة جديدة خارج حدودها وكذلك في الداخل للاختلافات العديدة بين الأحزاب الائتلافية الحاكمة.

في جو كهذا تظل أزمة اللاجئين متنازعة بين الأحزاب الحاكمة ولا تصل في النهاية إلا إلى التسويف أو حل يرضي بعض الأحزاب والألمان ويضع اللاجئين في مفترق الطرق.

اترك تعليقاً