الاتحاد الأوربيّ والقضيّة الفلسطينّية

دراسة تحليلية

موسى الزعيم

صدر مؤخراً كتاب الاتحاد الأوربيّ والقضية الفلسطينية للدكتور محمود الصفدي ، وهو دراسة تحليليّة تفصيليّة، تشمل الفترة الزمنيّة بين عامي (1988- 2018) إذ يعرض الكاتب من خلالها مواقف دول الاتحاد الأوربيّ من القضيّة الفلسطينية من خلال الاتفاقيات الموقّعة والتي رعاها  وما تبعَ ذلك من ردودِ أفعال من أطراف الصراع.

وكذلك الموقف الأمريكي، وتأثيره على الاتحاد الأوربيّ وعلى  الأطراف المتنازعة وردود الأفعال العربية التي كانت تتسم دائماً بالخجل والضعف والتردد في تشكيل موقف عربي موحّد من ذلك.

يطرح الكتاب عددا من التساؤلات والقضايا وينطلقُ من فكرة أنّ هناك الكثير من الدراسات والمؤلفات والأبحاث التي تسلّط الضوء على دور الاتحاد الأوربي في حلّ النزاع الفلسطيني الإسرائيلي إلاّ أن القليل من هذه الأبحاث والدراسات تقف موقفاً نقدياً من ضحالة الدور الذي قام ويقوم به هذا الاتحاد.

في هذا الكتاب يعرضُ الباحثُ وجهات النظر القريبة والبعيدة ويرصدها من جوانب عدّة حتى يكّون القارئ صورة تسلسلية تاريخية زمنيّة عن دور الاتحاد الأوربي في القضية الفلسطينية

يقع الكتاب في مئة وخمسين صفحة من القطع المتوسط وقد قدّم للكتاب الباحث والمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه والذي يقدّم عرضاً شاملاً لمضمون الكتاب فيعرض “بابيه” المراحل التي مرّت بها القضية الفلسطينية فمن وجهة نظره ” هناك ميل إلى الاعتقاد بأنّ السلام لا يمكن التفاوض عليه إلاّ في واشنطن وهناك بعض الحقيقة في هذا الافتراض، لكن مثل هذا التأكيد يتجاهل الدّور المُحتمل الذي يمكن أن يلعبه الاتحاد الأوربي ” ص11

وقد قسم الباحثُ كتابه إلى ثلاثة فصول حسب الترتيب الزمني بدأ من تأسيس الاتحاد الأوربي وسوف نعرض لهذه الفصول تباعاً

في الفصل الأول

يتحدّث الفصل الأول عن ولادة الاتحاد الأوربي وآليات اتخاذ القرار فيه.

يعرّف الباحث هذا الكيان الجغرافي والبشري على أنّه ليس بدولة وإنما كيان يضمّ مجموعة من الدول الأوربية، له نظامه السياسيّ والقانوني وله خصائصه التي لا تتوفر في أي حكومة تقليديّة أو غير ذلك من المنظمات التقليدية، هذا الكيان “الإرادي” الذي نشأ باتفاق بين الدول والحكومات، أعيد ترسيم حدوده  بناء على منطق ديمقراطي و إرادة الشعوب، مع أن هذه الدول لم تكن على سويّة واحدة اقتصادياً، إلاّ أنّ هناك تميّز واضح بين مستويات الانتماء ونوعه بما يُحقق الفائدة الخاصّة للدولة الواحدة والعامة من الاتحاد حيث بدأ استخدام وتداول عبارة الاتحاد الأوربي كمصطلح منذ عام 1992

فيما بعد يتحدّث الكتاب عن ديناميكية صُنع القرار في مؤسسات الاتحاد الأوربيّ

يرى الكاتب  أن أغلب دول الاتحاد الأوربي تشارك بشكل عملي في صنع القرار السياسي .

يرى الكاتب أنّ ست مؤسسات رئيسة تُساهم في عملية صنع القرار في الاتحاد الأوربي والمجلس الوزاريّ والمفوضيّة الأوربية  ومحكمة العدل الأوربية واللجنة الاقتصاديّة والاجتماعيّة بالإضافة إلى ذلك يشرحُ الكتاب الآليات الديمقراطية التي يمرّ بها القرار حتّى يصل إلى حيّز التنفيذ.

في القسم الثاني من الفصل الأول وهو المتعلّق بتجليات مواقف الاتحاد الأوربي من الصراع العربي الإسرائيلي  بين عامي 1988-2000 .

جاءت الانتفاضة الفلسطينية، انتفاضة الحجارة بعد عشرين عاماً من حرب 1967حيث فاجأت الانتفاضة منظمة التحرير والحركة الفلسطينية أسوة ببقية الفصائل هذه التنظيمات استوعبت بسرعة درس الانتفاضة.

لكن ماهي ردود الفعل على الانتفاضة؟

يمكنُ القول حسب رأي الصفدي أنّ الانتفاضة الشعبيّة الكبرى، تعتبر حدثاً تاريخياً ومِفصلياً في تاريخ حركة النضال الوطنيّ الانتفاضة التي استمرت ست سنوات والتي ادخل هذا المصطلح الجديد الى قواميس النضال الوطني والتحرري. هذا وقد تركتْ أثراً كبيراً على صنّاع السياسة الأوربيين ومنحت القوّة إلى منّظمة التحرير الفلسطيني وقد حولتها إلى الراعي والمُمثل الوحيد للقضيّة الفلسطينيّة.

بعد ذلك يتحدّث الكتاب عن وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988.

ومن ثم يتنقل الكتاب إلى أبحاث أكثر أهميّة وتأتي تحت باب المفاوضات السياسية في مدريد وأوسلو.

يرى الباحث إنّه في فترة السبعينيات كان للمجموعة الأوربيّة الدور الفاعل والمستقل وقد تتوجت بإعلان البندقية عام 1980

في حين أن سنوات الثمانينات شهدت تراجعاً في الإجماع الأوربيّ  وخاصة بعد حكم الرئيس الأمريكي ريغان ومارغريت تاتشر في بريطانيا ولم تكن العوامل الأوربية الداخلية أفضل حالاً في تلك الفترة.

ليأتي مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط في الثلاثين من أكتوبر عام 1991م وقد جاء ذلك بعد خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش أمام الكونغرس بعد انتهاء حرب الخليج الثانية ونتيجة تطورات دوليّة يجملها الباحث في الأوضاع الدولية والأوضاع الإقليمية.

فيما بعد لعبت النرويج دوراً مهماً في احتضان المفاوضات السريّة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، حيث أبدت النرويج بعض الانفتاح اتجاه القضية الفلسطينية.

يخلص الباحث إلى نتيجة أنه أصبح الموقف السياسي الأوربي بعد توقيع اتفاق أوسلو ذا أهميّة كبيرة  باعتباره الداعم الأكبر للشعب الفلسطيني ماديّا فهو يقدم 45 بالمئة من المساعدات الدولية للشعب الفلسطيني كما زاد التعاطف مع منظمة التحرير الفلسطينية داخل مؤسسات صنع القرار في الاتحاد الأوروبيّ، خاصّة وأنّ أوّل تحرّك للاتحاد الأوربي بعد توقيع أوسلو، هو تحرك باتجاه تطوير الاقتصاد الفلسطيني وتحقيق تعاون اقتصادي إقليمي يكون فيه للاتحاد الأوربي الدور الرياديّ. وهذا ما أحدث نقلةً نوعيّة  في العلاقات الفلسطينية الأوربية

ويمكن تلخيص دور الاتحاد الأوربي بعد أوسلو بعدّة نقاط أهمها:

دعم الاتحاد الأوربي لعملية السلام من خلال تمويل إدارة السلطة الفلسطينية والاقتصاد الفلسطيني.

و تعزيز علاقات التعاون بين الاتحاد الأوربي وإسرائيل للوصول إلى توقيع اتفاق الشراكة للإعداد  لمشروع متوسطيّ، يُحقق التكامل بين دول الضفة الجنوبيّة للمتوسط

كما اعتبر مؤتمر برشلونه المنعقد عام 1995 بداية انطلاق السياسة المتوسطيّة الأوربية الجديدة في جنوب المتوسط حيث حضره 27 دولة منها خمسة من أعضاء الاتحاد الأوربي وعدد من الدول العربية المشرفة على المتوسط والسلطة الفلسطينية وإسرائيل.

دعا هذا المؤتمر إلى تقوية وشمولية العلاقة بين المشاركين من ذلك احترام كلّ عضو حدود العضو الآخر وسيادته وعدم استخدام القوّة ضدّ سيادة الشريك الآخر.

من خلال التصوّر الأوربي القائل ” إن استقرار أوربا مرتبط باستقرار جنوب المتوسط في الوقت الذي يرى فيه المراقبون والمحللون أنّ مهمة الولايات المتحدة بقيادتها لحلف شمال الأطلسي هي استمرار هيمنتها على أوروبا والإمساك بقرارها الاستراتيجي حيث أضحت الفجوة بينهما مرشّحه للاتساع. ص 48

أوربا ماردٌ اقتصادي لكنها قزم سياسي

هذا ما كان مُتداولاً بين السفراء في بروكسل، إذ عجز الاتحاد الأوربي رغم قوّته الاقتصادية عن لعب دور سياسي فاعل في الشرق الأوسط وحلّ الخلاف بين طرفي النزاع.

يرى الباحث أنّ الاتحاد الأوربي لم يلعب دوره الفاعل في سنوات التسعينات من أجل الوصول إلى تسوية وذلك نتيجة عدّة عوامل يجملها فيما يلي:

العامل الأوربيّ الداخلي:  من خلال البناء السياسي الداخلي للاتحاد والمصالح القوميّة للدول الأعضاء التي لم تكن متوافقة تماماً والهاجس الأمني الأوربي القادم من الجنوب عاملاً ضاغطاً لإجراء التشاور مع دول المتوسط إذ يعيش الاتحاد الأوربي تجاذباً داخلياً بين مجموعات مختلفة من دوله.

كما أنّ انقسام الاتحاد الأوربي إلى ثلاثة تيارات بخصوص الموقف من عملية التسوية.

أولهما: يتمثل في ” فرنسا إيطاليا واسبانيا وايرلندا ” هذا التيار موقفه واضح من عملية التسوية يحمل إسرائيل مسؤولية التعثر

الموقف الثاني: ” بريطانيا ” ولا يختلف عن مضمون الموقف الأوّل لكنه يتحفظ على دور أوربي قد يقود إلى خلاف مع الولايات المتحدة.

الموقف الثالث: التيار الذي يضمّ ألمانيا وبلجيكا وهولندا والدنمرك والذي لا يبدي أي حماس اتجاه عملية التسوية، يعوّل على الدور الأمريكي.  

أضف إلى ذلك أن هناك عوامل خارجية أثّرت في عدم قدرة الاتحاد الأوربيّ على لعب دورٍ فاعلٍ في عمليّة التسوية.

من جهة أخرى يرى الباحث أنّ من بعض العوامل المُعطلة للتسوية العامل الإسرائيلي والعامل العربي والعامل الأمريكي أيضاً.

الفصل الثاني من الكتاب يسلط الباحث الضوء على  الاتحاد الأوربي والتحديات الجديدة بعد انهيار عملية التسوية من خلال موقف الاتحاد الأوربي والعالم من الانتفاضة الثانية.

تجلّى ذلك في عدد من المواقف منها:

الموقف من الانتفاضة الثانية ومن العمليات العسكرية و الإجراءات الإسرائيلية والموقف من الاغتيالات والانتهاكات والاجتياح  والجدار الفاصل  وخطة الطريق.

هذه المواقف مُجتمعة، شكّلت صورة جديدة عند الاتحاد الأوربي للتعامل مع الوضع القائم.

في هذا القسم من الكتاب، يسهب الباحث في رصد مواقف وردود فعل الاتحاد الأوربي، مما يحدث بين طرفي النزاع، تتباين مواقفه وتصدر من خلاله ذلك بعض المواقف الفردية، في حين يتفاوت الدّعم الماديّ لطرفي النزاع الفلسطيني والإسرائيلي، لنصل بالمحصلة إلى التزام الاتحاد الأوربي بخارطة الطريق عام 2002، والتي ركزت على تحقيق تقدّم في المسيرة السلمية من خلال خطوات مُتبادلة، وأكد الاتحاد الأوربي من خلال ذلك على التزامه بحلّ الدولتين وعلى مبدأ الأرض مقابل السلام و قرارت مجلس الأمن الدولي رقم 1397 و338و 242 .

في الفصل الأخير من الكتاب

يُحلل الكاتب المواقف والأسباب التي أدّت إلى فشل الاتحاد الأوربي في لعبِ دورٍ فعّال في إيجاد تسوية ووقف نزيف الدم الفلسطيني.

يرى الباحث أن أسباب الفشل تكمن في البعد الأمني وقضيّة اللاجئين وعملية التسوية والأخطاء السياسية والخلاف بين البرلمان والمفوضية الأوربيين.

ثم يناقش الباحث قضية حلّ الدولتين وإلى أين سيتّجه مسار هذه القضية في المستقبل.

في محصلة البحث يرى الكاتب أن المواقف التي اتخذها الاتحاد الأوربي خلال العقود الماضية كانت محكومة بالضغوطات الخارجية  وخاصّة من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بالإضافة أن تباين المواقف الداخلية للاتحاد جاءت نتيجة انقسامه داخلياً.

في المحصلة يطرح الكتاب الكثير من القضايا حول المشروعيّة القانونيّة لما تقوم به إسرائيل ضدّ الشعب الفلسطيني وتعطيلها للحلّ السلميّ.

يطرح الكتاب تساؤلات عن الدور الأوربي في حلّ النزاعات في العالم وخاصة ما قام به في أفريقيا!! لماذا تعطّل هذا الدور تجاه القضية الفلسطينية.

جاء الكتاب مشفوعاً بالمصادر والمراجع  والوثائق والإحالات والمقابلات الشخصيّة التي أجراها الكاتب مع عدد من الشخصيّات المطلعة على دوائر صنع القرار الأوربي. وقد جاءت أغلبها من جهات مُتعددة تحمل وجهات نظر مُختلفة “باللغة العربية والإنكليزية والعبرية” بالإضافة إلى عددٍ من الروابط للمواقع الالكترونية التي استند إليها الباحث في عمله.

يذكر أنّ الدكتور محمود الصفدي من مواليد مدينة القدس عام 1967  اعتقل في عام 1989 وأمضى 18 عام في السجون الإسرائيلية، وهو باحث ومُختص بالشؤون الأوروبية.

عمل في جامعة القدس في فلسطين وأنهى الماجستير في الدارسات الاسرائيلية وأكمل دراساته في بلغاريا ونال شهادة الدكتوراه بالعلوم السياسية  تخصص شؤون أوروبيّة و له عدّة مقالات وأبحاث علميّة نُشرت في بعض المجلات المحكّمة، ويعمل الآن كمرشد لطلاب الدراسات العليا بالإضافة إلى ذلك هو أيضا فنان تشكيليّ أقام عدّة معارض فنيّة في فلسطين وصوفيا وبرلين.

.