الاغتراب والتغريب في رواية “الجرذ” لمهند محمود
موسى الزعيم
في كتابه Die Ratteالجرذ يقدّم الشاب مهنّد محمود، العراقي الجنسية، تجربة سردية باللغة الألمانية، وهي تجربة إشكالية وجريئة لعلها تنتمي إلى أدب الاغتراب أو التغريب، صدر الكتاب هذا العام ويقع في نحو 200 صفحة من القطع الصغير، من حيث التكنيك الكتابي تنتمي بنية السرد إلى العالم الروائي ويعكس بصورة مكثّفة الحياة العامة في برلين.
وعليه يمكن قراءة العمل على أنه رواية، تطرح أسئلتها الداخلية من حيث الشكل والمضمون، و تعكس هواجس الجيل الثاني من العرب في ألمانيا، الجيل الحامل لثقافتين ، و المتأرجح بينهما، تتذبذب في داخله حالة الانتماء والهوية.
على مستوى البنية السردية، لا تلتزم الرواية القوالب الكلاسيكية، بل تتحرّك في إطار التجريب الفني، في منطقة وسط، بين المذكرات والاعترافات والتأمل الفلسفي والصرخة السياسية، ما يجعلها عملاً مفتوحاً على التأويل والاختلاف.

ينحدر مهنّد محمود من أسرة عربية مهاجرة؛ من أب عراقي هو الدكتور نزار محمود، المعروف في الأوساط البرلينية بنشاطه الثقافي والاجتماعي، ومن أم فلسطينية، وُلد الكاتب الشاب عام 2005 في برلين، وهذا ما ينعكس بوضوح في متن نصه، فالرواية لا تتبنّى خطاب الضحية التقليدي بحسب خبرة السارد في الحياة في ألمانيا، ولا تنزلق إلى تمجيد تجربة الهجرة، بل تكشف عن منطقة رماديّة تتصارع فيها الهوية والانتماء والرفض والغضب المكتوم، هذا الموقع المزدوج منح النص حساسيته الخاصة، واقعية تجعله أقرب إلى شهادة جيلٍ، وُلد في ألمانيا، لكنه لم يشعر يوماً بالاندماج، وربما الانتماء الكامل.
تدور أحداث الرواية في برلين، والمدينة هنا ليست مجرد خلفية مكانية، بل كيانٌ ضاغطٌ، يتحوّل إلى شخصية خفية تتحكم بإيقاع السرد، هي مدينة متعبة، مُثقَلة بالرأسمالية المتوحشة، والبيروقراطية الضاغطة، وتناقضات الحداثة وقبحها وجماليتها، المدينة التي تعدُ بالحرية بينما، تنتج أشكالاً جديدة من القيود والعزلة، يفتتح الكاتب نصه بفصل يحمل عنوان “مدينة الخطيئة” حيث تُصوَّر برلين ككائن حي متعفّن: مدينة صاخبة، فاسدة، مريضة، تولّد إحساساً دائماً بالاغتراب، والفقر، والتمايز الطبقي الخفي، مدينة تنتج الجنون يوما بعد يوم ، ما يعكس رؤية الجيل للمكان وارتباطه به ونقده له.
هذا النقد يأتي مباشرة من قلب المدينة حيث يرى بطل الرواية “سيف” أن التفسخ الأخلاقي لا يقلّ قسوة عن أشكال القمع المباشر والصريح.
يشعر البطل أنه داخل عالم استهلاكي، مُتخم بأشكال النفاق الاجتماعي السائدة، إنها كراهية ممزوجة بالعجز، فيتحوّل المترو مثلاً إلى رمز للجحيم الحديث، ويتحوّل البشر إلى كتل لحم ورغبات وإدمان، فيما تلتهم وسائل التواصل وقته
وتساهم في تشكيل وعيه.
بطل الرواية، شاب مهاجر يعيش على هامش المجتمع، واعٍ لانكساراته، غاضب من العالم، لكنه في ذات الوقت يعيش تناقضاته، لا يسعى الكاتب إلى تبرير صوت ” سيف”، بل يتركه يتكلّم بحدّته الكاملة، كاشفاً تناقضات حياته المتوترة بين الرغبة في الانتماء والعجز، يظهر ذلك أيضاً في الصراع الحادّ أمام الانحدار الأخلاقي دون القدرة على الهروب منه، إضافة إلى الخوف المتنامي من الذكاء الاصطناعي بوصفه ذروة جنون الإنسان الحديث.
تقدّم رواية الجرذ نقداً حاداً للحياة السياسية والثقافية في ألمانيا من منظور داخلي، بعيداً عن الخطاب الدعائي، فالمؤسسات الحديثة، تظهر من خلال تفاعل الشخصيات بوصفها قوى غير مرئية، تعيد إنتاج التهميش الطبقي بأساليب ناعمة، ما يفاقم شعور الفرد بالاغتراب بدل أن يخففه، في هذا المناخ بالتأكيد سوف تتشكّل علاقات اجتماعية هشّة: حبّ مستحيل، خيانة الذات، وشعور دائم بالفقد والتشظي والجنون الوشيك.
أسلوبيّاً، تعتمد الرواية على المقاطع القصيرة والتداعي الحرّ، وهي مشبعة بالتناص مع السينما والمسلسلات والفلسفة السياسية، ما يعكس بدقّة عقل الإنسان المعاصر، المحاصر بتدفّق الصور والمعلومات، والعاجز عن ترتيبها في سردية متماسكة، الفوضى هنا ليست ضعفاً تقنياً، بل خياراً ولا تُقدَّم هذه القضايا بوصفها تنظيراً مباشراً، بل كقلق وجودي يتسلّل إلى وعي الشخصيات ويشكّل خلفية سوداوية للسرد.
لم تغفل الرواية قضايا الوطن الأم الذي انحدرت منه أسرة الكاتب، فلسطين والعراق، تحضران في الرواية كجرح مفتوح وذاكرة مُثقلة، و كجزء من ذاتٍ ممزّقة بين حاضر أوروبي بارد وماضٍ مثقل بالعنف والخذلان، ويعزّز هذا البعد البصري في الرواية من خلال تضمينها نحو عشرين رسمة (لوحة) من إنجاز الكاتب نفسه، بينها لوحة الغلاف، ما يضيف بعداً تعبيرياً آخر لتجربة فنية واعدة.
كتب مهنّد روايته باللغة الألمانية كلغة نهائية، في خيار يعكس وعياً واضحاً؛ فعلى الرغم من إتقانه العربية، إلا أنها لا تعينه على تأليف كتاب بها.
رواية الجرذ ليست رواية تصالحية، بل نص تجريبي يراهن على الصدق والمواجهة، مواجهة تشظي الحياة وصخبها، إنها صيحة جيل يعيش بين ثقافات متداخلة، متخمة بالمعلومات، مفتوحة على كل شيء، انهارت الأسوار الأخلاقية حوله، ومن هذا الموقع يحاول الشاب فهم عالم سريع ومربك، ومرتبك، فالإنسان هنا ليس بطلاً ولا وحشاً فقط، بل كائن هشّ يحاول البقاء في عالم بلا رحمة.
ورغم حداثة تجربة كاتبها، تكشف الرواية عن صوت أدبي جاد ورؤية نقدية اجتماعية تستحق المتابعة والدعم والتوجيه لعل في قادم الأيام نقرأ رافداً أدبياً لجيل له خصوصيته الثقافية.
.






