يوميات مَشرقيّ على وشكِ الغر…ب

للكاتب:  شاهر خضرة

موسى الزعيم

سرديات  الهوية في أدب الهجرة

في سياق التحولات الكبرى التي عرفها العالم العربي خلال العقد الأخير، برزت ظاهرة أدبيّة لافتة، تمثّلت في ازدهار ما يمكن تسميته “بأدب الهجرة السوري” ومن ضمنه أدب المذكّرات الشخصية. فقد دفعت الحرب السوريين إلى مغادرة بلادهم، وتحوّلت تجربة اللجوء إلى موضوع مركزيّ في عددٍ كبيرٍ من النصوص السردية والشعرية، ضمن هذا السياق، يندرج كتاب “يوميّات مشرقيّ على وشك الغرب” للشاعر شاهر خضرة، الذي يقدّم نصّا يتجاوز حدود السيرة الذاتية واليوميات الشخصية ليصبح شهادة ثقافية على تجربة العبور من الشرق إلى الغرب.

الكتاب، من حيث شكله الأدبي، ينتمي إلى النص المفتوح أو السرديات التوثيقية التي تجمع بين اليوميات والتأملات الفكرية والمشاهد السردية  العفوية القصيرة والنصوص الشعرية والمواقف الطارئة، هذا الشكل المتحرر من البناء السردي الصارم، يمنح الكاتب مساحةً واسعة للتعبير عن التحولات النفسية  التي ترافق تجربة الهجرة، بما فيها من قسوة جسدية، ويجعل النص أقرب إلى دفتر تأملات بين ثقافتين.

يطرحُ الكتاب مجموعة من الأسئلة الوجودية التي تتعلق بحياة المؤلف، كأن يسأل نفسه: ما معنى بقائي حيّا وقد خسرت كل شيء؟ هل تجاوزتني الحياة؟ بأيّ حلم وبأي طموح يمكن أن أعيش؟ هل تجاوزني الشعر، بأي رؤية للمستقبل أكتبه؟
هذه الأسئلة الخانقة جعلته في بعض الأحيان يكتب بنفسٍ ساخرٍ رداً على قسوة الحياة وانزياحها.

من خلال تتبع أفكار الكتاب، تتضح تطورات الرحلة : من سوريا إلى المغرب باتجاه إسبانيا، ومن ثم فرنسا وبعد ذلك ألمانيا على الصعيد الجغرافي، بينما على صعيد الكتابة فإن النصوص تغوص في طيات الذاكرة البعيدة. فتعالج حكايات الطفولة والذاكرة الأولى،  يتداعى السرد إلى نشأة الكاتب في قريته وعائلته، وحياة جده وأمه وأبيه، وحكاية اسمه.

بداية الرحلة: مغادرة سوريا والانطباعات الأولى عن المغرب وأوروبا، والمدن الحدودية مثل سبتة، ثم الانطباعات الأوليّة عن ألمانيا وفرنسا.

الحياة اليومية في المنفى: تفاصيل المدن، الشوارع، المقاهي، العلاقات العابرة، ومواجهة البيروقراطية في البلدان الجديدة.

الهوية واللجوء والتوتر بين الهوية الذاتية للكاتب بوصفه شاعراً ومثقفاً، وبين تصنيف المجتمع له كمهاجر ولاجئ.

ويمكن للقارئ أن  يتتبع سياق الكتاب من خلال معالجته لقضايا:

الحنين والذاكرة: استدعاء الماضي كمرآة لفهم الحاضر، مع التركيز على ذكريات الطفولة، العائلة، والمكان الأول للذاكرة.

جدلية الشرق والغرب: مقارنة بين القيم والعادات الاجتماعية في الشرق والغرب عبر مواقف يوميّة وتجارب حياتيّة، بعيداً عن أي خطاب أيديولوجي مباشر.

تجارب شخصية وعلاقات إنسانية: قصص صداقات، لقاءات، ومواقف فارقة ساخرة شكلت تجربة الهجرة للكاتب.

بين السرد والشّذرة
يتميز الكتاب ببنية تقوم على المقاطع القصيرة أو الشذرات السردية وتأريخ الحياة اليومية، وهي على صلة مباشرة بحياة المؤلف. فبدلاً من الحبكة المتصلة، يعتمد المؤلف على سلسلة من المشاهد والخواطر التي كُتبت في أزمنة وأماكن مختلفة، هذا الأسلوب يخلق إيقاعاً متقطعاً يشبه طبيعة حياة المهاجر نفسها، حيث تتداخل اللحظات اليومية مع الأفكار والتأملات والذكريات.
هذه البنية المفتوحة ليست مجرد اختيار شكلي، بل تعكس طبيعة التجربة التي يكتب عنها المؤلف. فالهجرة، بطبيعتها، تجربة غير مستقرة؛ هي سلسلة من الانتقالات والانقطاعات واللقاءات العابرة. لذلك يبدو الشكل الشذري للنص متوافقاً مع موضوعه، إذ يترجم على المستوى الفني حالة التشتت الوجودي التي يعيشها المهاجر.

كما أن حضور اللغة الشعرية يمنح النصوص بعداً تأملياً واضحاً. فالكاتب، بوصفه شاعراً، يميل إلى تحويل المواقف اليومية البسيطة إلى لحظات دلالية تحمل أبعاداً رمزية أوسع، ومنها ما يحمل سخرية مرّة أو مواقف فارقة في حياته.

الهجرة باعتبارها تجربة وجوديّة
لا يتعامل الكتاب مع الهجرة باعتبارها مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى آخر، بل يقدّمها بوصفها تجربة وجودية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالعالم وبالآخر. فالمهاجر لا يفقد مكانه الجغرافي فقط، بل يجد نفسه في مواجهة أسئلة جديدة حول الهوية والانتماء والذاكرة.

في هذا السياق، تتحول المدن الأوروبية التي يمر بها الكاتب إلى فضاءات لاكتشاف الذات. فالمدينة ليست مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر فاعل في تشكيل التجربة. المقاهي، الشوارع، وسائل النقل، المؤسسات الرسمية؛ كلها تتحول إلى مسارح صغيرةK تتجلى فيها علاقة المهاجر بالمجتمع الجديد.

مواقف لن تمر في حياته سوى مرة واحدة، مثل سكنه في دير يضم ثلاثين راهبة، أو أن يغني في المقهى ناسياً من حوله. ومن خلال هذه التفاصيل اليومية يطرح الكتاب سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للإنسان أن يعيد بناء حياته في مكان لا يشبه ذاكرته؟

ورداً على ذلك تلجأ بعض نصوص الكتاب إلى التأصيل والتثبيت الحياتي للمواقف، فتعمد إلى وصف الأشخاص وخلفياتهم الدينية والإثنية والاجتماعية، في محاولة القبض على الذاكرة الحية.

جدلية الشرق والغرب
يحتل موضوع المقارنة بين الشرق والغرب موقعاً مركزياً في الكتاب. غير أن هذه المقارنة لا تأتي في شكل خطاب أيديولوجي أو ثقافي مباشر، بل تظهر عبر ملاحظات عابرة ومواقف يومية يمر بها الكاتب في حياته الجديدة.

في الشرق، تسود العلاقات الاجتماعية الدافئة والروابط العائلية القوية، لكنها غالباً ما تترافق مع أنماط تقليدية من التفكير ومع قيود اجتماعية وثقافية. أما في الغرب، فيلاحظ حضور قيم مثل الحرية الفردية واحترام القانون ووضوح النظام الاجتماعي، لكنه يلمس في الوقت نفسه نوعاً من البرود أو المسافة في العلاقات الإنسانية.

هذه المقارنة لا تهدف إلى إصدار أحكام نهائية بقدر ما تكشف عن حالة التوتر التي يعيشها المهاجر بين عالمين مختلفين. فالكاتب لا يستطيع التخلي عن ذاكرته الشرقية، لكنه في الوقت نفسه يتعلم العيش ضمن منظومة قيم غربية جديدة. وهكذا يصبح المهاجر شخصية “حدّية” تعيش في منطقة وسطى بين ثقافتين.

من جهة أخرى، فالمدينة في الكتاب ليست مجرد معلم تاريخي أو شارع جميل، بل فضاء اجتماعي يعيش فيه المهاجر تفاصيل حياته: في المقاهي، في وسائل النقل، في الدوائر الحكومية، وفي العلاقات العابرة التي قد تتحول أحياناً إلى صداقات حقيقية، أو إلى مكان للقاء شخصيات عربية هاجرت من زمن بعيد ثم لم تتح الظروف يومًا للقائها.

ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة تتشكل صورة أكثر واقعية للحياة الأوروبية، بعيدة عن المثالية المفرطة أو الصورة السلبية النمطية.

الهوية في تجربة اللجوء
من أبرز القضايا التي يطرحها الكتاب مسألة الهوية. فاللاجئ في المجتمعات الأوروبية يُعرَّف غالباً من خلال وضعه القانوني: “لاجئ”، “مهاجر”، أو “طالب لجوء”، غير أن هذه التسميات، رغم ضرورتها الإدارية، قد تختزل الإنسان في بعد واحد.

كما يظهر في النصوص توتر واضح بين الهوية التي يحملها الكاتب في داخله بوصفه شاعراً ومثقفاً، وبين الصورة التي يفرضها عليه الواقع الاجتماعي بوصفه لاجئاً. هذا التوتر يعكس إحدى الإشكاليات المركزية في تجربة الهجرة المعاصرة: كيف يحافظ الإنسان على فرديته داخل إطار تصنيفي يحدده المجتمع؟ ومن هنا يمكن قراءة الكتاب بوصفه محاولة لاستعادة الصوت الفردي داخل الخطاب الجماعي.

الذاكرة والحنين
إن الذاكرة في هذا الكتاب ليست مجرد استرجاع عاطفي للماضي، بل عنصر فاعل في تشكيل الحاضر. فالمهاجر يعيش دائماً في حالة تداخل بين زمنين: زمن الذاكرة الذي يحمله معه، وزمن الحاضر الذي يحاول أن يتأقلم معه.

هذا التداخل الزمني يمنح النص بعداً تأملياً عميقاً، حيث يتحول الماضي إلى مرآة يقرأ الكاتب من خلالها تجربته الراهنة. فبدلاً من السرد الروائي المتخيل، يقدّم الكاتب نصًّا يقوم على الملاحظة اليومية وعلى تسجيل التفاصيل الصغيرة الدقيقة للحياة في المنفى وانعكاس هذه التفاصيل على سير حياته. وهذا ما يجعل الكتاب قريباً من أدب الشهادة أو الكتابة التوثيقية، دون أن يفقد في الوقت نفسه قيمته الأدبية.

في نهاية المطاف، لا يمكن قراءة «يوميات مشرقي على وشك الغرب» باعتباره مجرد كتاب عن تجربة شخصية، بل بوصفه نصّا يعكس تحولات عميقة في الواقع العربي المعاصر. فالهجرة التي يتحدث عنها الكاتب ليست حالة فردية، بل تجربة جماعية عاشها السوريون وغيرهم خلال السنوات الأخيرة.

بهذا المعنى، يصبح النص محاولة لفهم الذات في زمن الترحال، وقراءة العلاقة المتغيرة بين الشرق والغرب من خلال تجربة إنسان يقف على حدودهما معاً.

جاءت لغة الكتاب أقرب إلى لغة الحياة العامة اليومية، ببساطتها المحكية، والتي تضيف طابعاً توثيقيا للمواقف وتجعلها تنتمي إلى مكونها وبيئتها الحقيقية. بشكل عام، يضمّ الكتاب طيفاً واسعاً من اللمحات الإنسانية المشبعة بالعاطفة، إذ ترافق السرد لحظات مشحونة عاشها المؤلف في المنفى، من حب وحنين ومرض ووحدة وغيرها من التجارب التي تترك أثرها في النفس. ومن خلال هذه التفاصيل اليومية يتكوّن نسيج إنساني حيّ يعبّر عن تجربة المهاجر في تماسها المباشر مع الحياة الجديدة.

كما يتحوّل الكتاب في كثير من المواضع إلى سجلّ حيّ لملامح الحياة الثقافية والاجتماعية في البلدان التي مرّ بها الكاتب؛ فهو يتوقف عند تنوّع الأطعمة والمشروبات التي تعكس تعددية الثقافات، ويعرض كذلك عددًا من القضايا القانونية والعلاقات اليومية بين الناس والجيران، وما يرافقها من مواقف صغيرة تكشف طبيعة المجتمع الأوروبي وطريقة تفاعل المهاجر معه. وفي سياق هذه الملاحظات الدقيقة يخوض المؤلف في مقارنات من بينها تأمله في بعض المظاهر الإنسانية مثل ما يسميه “حنان نساء أوروبا”، وهي ملاحظات تأتي في إطار مراقبته اليومية للمجتمع الجديد.

وفي مواضع أخرى يتحول المؤلف إلى حكواتي يروي القصص بشغف، محافظاً على تنغيم الحوار والمونولوج الدرامي، وهو ما يبدو متأتياً من خبرته الشعرية، ولا سيما في الشعر المحكي الذي يتطلب سرعة بديهة وطلاقة لغوية و إلتقاطات سريعة للحظات والمواقف، ويظهر أيضاً في بعض المقاطع نقده للسلوكيات العامة في الحياة المعاصرة، وخصوصاً ما يتعلق بطريقة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

ويروي الكاتب يومياته على سجيته، من دون كثير من التشذيب أو الحذف، فيردد الأغنيات الفولكلورية والأمثال الشعبية، كما يدوّن ما مرّ به من أحلام وهواجس؛ كأن يأتيه والده في الحلم، يحاوره ويستعيد معه بعض ما مضى من حياته، وفي أحيان أخرى يبني علاقات مع مكونات الطبيعة، فيصغي للأشجار ويحدّثها ويبثّ لها شجونه، في لحظات تأملية تقترب من الحسّ الصوفي أو الشعري. كذلك يروي عن شخصيات عربية وعالمية ذات حضور أدبي وفكري مرّت في حياته، مما يضيف بعداً ثقافياً آخر إلى تجربته الشخصية في المنفى.

قيمة الكتاب في أدب الرحلات
تأتي أهمية هذا الكتاب من كونه سجلاً حافلاً بتوثيق الحياة في بلدان مختلفة، ومن خلال العدد الكبير من المدن والبلدات التي مرّ بها الكاتب: سوريا، المغرب، إسبانيا، فرنسا، هولندا، وألمانيا. وهذه الأمكنة لم يكتفِ بالعبور فيها، بل توقّف عندها، وتناول من طعامها، ووصف معالمها، وتواصل مع سكّانها، وتحدّث عن انعكاس المكان في ذاته.

إلا أن ما قد يُؤخذ على الكتاب أحياناً هو ميله إلى الإغراق في اللغة المحكية، ودخوله في تفصيلات صغيرة قد تبدو أحيانًا زائدة عن الحاجة، إضافة إلى غياب منهج واضح في البناء العام، باستثناء التسلسل الزمني ليوميات المؤلف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ـ كتبت نصوص الكتاب بين عامي 2014 و2020 ويقع  في 470 صفحة وقد صدر عن دار الدراويش للترجمة والنشر.

 ـ شاعر سوري مقيم في ألمانيا