ملاحظات حول العمل السياسي العربي في ألمانيا

 

د. نزار محمود

 

يعيش في ألمانيا، وحسب تقديري الشخصي، ما يقرب من المليون ونصف، وقد يزيدون، من ذوي الأصول العربية، أي المنحدرين من بلدان الوطن العربي. وهناك اختلافات في الرأي والإحصاء حول هؤلاء العرب، فهل من يولد في المانيا هو عربي، وذاك الذي أحد والديه ألماني أو غير عربي هو عربي وما شابه.

ومعروف أن النسبة الكبرى من هؤلاء العرب أتوا الى ألمانيا لأسباب قاهرة (عسكرية، سياسية، أمنية، اقتصادية، ثقافية) حاملين معهم همومهم وأحلامهم. بالمقابل فإن لألمانيا دوافعها من انسانية وسياسية واقتصادية، في منح حق الاقامة، وهي تعمل وتسعى لإدماج هؤلاء العرب في مجتمعها بما يساهم في السلم الاجتماعي والمشاركة الاقتصادية. من أجل ذلك تنفق ألمانيا مليارات اليوروات على استقبال وإسكان وإعاشة وتعليم وتطبيب وغيرها من الخدمات الإنسانية لهؤلاء القادمين من الأجانب.

ونحن، هؤلاء العرب، بشر لنا أوطاننا وتاريخنا وثقافتنا وأحلامنا، ولا يمكن أن ننسلخ عنها تماماً، أو ننساها أو نتناساها.

فالفلسطينيون أصحاب قضية، وبقية العرب في ألمانيا تربطهم ثقافتهم وجذورهم بأوطانهم، وهم يجدون أنفسهم في التزامات وجدانية كبيرة تجاه تلك الأوطان وأهليهم.

ولعل المواقف والنشاطات السياسية هي أكثر المجالات التي يعبر هؤلاء من خلالها عن ذلك الالتزام والارتباط الوجداني بقضايا أوطانهم.

وألمانيا بلد أوروبي له واقعه وخصوصياته السياسية والتاريخية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية وكذلك تحالفاته والتزاماته ومصالحه ومواقفه تجاه المسائل الدولية، ومنها وفي مقدمتها بالطبع، القضية الفلسطينية.

كما تمتاز المجتمعات الاوروبية بمساحات وفضاءات لحريات سياسية غير تلك التي نعرفها في بلداننا العربية، لكنها ليست سائبة كما قد يتوهم البعض، على الرغم من إرتفاع سقوفها.

 

وحول تلك النشاطات السياسية لجالياتنا العربية في ألمانيا أطرح الملاحظات التالية:

⁃ إن غالبية النشاطات السياسية للجاليات العربية تدور حول قضايانا السياسية المحلية، وهو أمر إنساني لا يمكن إنكاره أو حتى إستهجانه طالما مورس في إطار قوانين البلد النافذة.

⁃ ليس هناك تقريباً من حركة أو حزب أو تجمع سياسي في بلداننا العربية لا يجد من يمثله بين ابناء الجاليات العربية في المانيا.

⁃ هناك من الاحزاب من يمارس نشاطه تنظيمياً في المانيا وفق النظام الداخلي لحزبه الأم.

⁃ جميع تلك الاحزاب غير مسجلة رسمياً كأحزاب لدى السلطات الالمانية وإنما تعمل تحت مسميات اخرى وفي صيغ جمعيات ثقافية أو تعليمية أو مراكز رعاية ومساعدة وما شابه، وليس في ذلك كشفاً محذوراً لسر .

⁃ أغلب هذه الاحزاب تستهدي ببرامج أحزابها الأم في بلداننا العربية وتعمل وفق توجيهاتها.

⁃ تتعاون هذه الاحزاب أحياناً مع بعض القوى السياسية أو الاجتماعية ألألمانية التي تقف الى جانب قضاياها وتناصرها الى حد ما.

⁃ هناك نشاطات وفعاليات، غالباً ما تكون شخصية أو فردية، في اطار احزاب أو منظمات سياسية ألمانية وبالتالي تخرج، بالطبع،  في نشاطاتها وفعالياتها وأهدافها عن قضايانا المحلية الى الالمانية أو الدولية.

 

الموقف الرسمي للجهات الالمانية من النشاطات السياسية للجاليات العربية:

انطلاقاً من أهداف سياسة اللجوء في المانيا ودوافعها، وبالإشارة الى سعي الجهات المسؤولة الى دعم اندماج الاجانب ومنهم العرب وكذلك الى السياستين الداخلية والخارجية وقوانينها، فإن موقف ألمانيا من النشاطات السياسية العربية يتأرجح بين قوانين الحريات السياسية وحقوق الانسان التي يحكمها الدستور الألماني من ناحية، وبين التزامات المانيا ومصالحها على المستوى الدولي من ناحية أخرى، مع التنويه الى خصوصية وحساسية القضية الفلسطينية والمسألة اليهودية على وجه التحديد باعتبارها محور الحراك السياسي العربي.

وقبل أن أعرج على طبيعة وفاعلية النشاطات السياسية للجاليات العربية لا بد من تحية إكبار لجميع المساهمين بصدق في هذه النشاطات المشروعة والمصرح بها أمام الجهات الألمانية لما يبذلونه من وقت وجهد ومال هاجرين أعمالهم وأسرهم وأوقات فراغهم ومتعرضين أحياناً لمضايقات ومتحملين الآراء والمواقف السلبية والتثبيطية ازاء نشاطاتهم وفعالياتهم.

لقد صدق القول: ما ضاع حق وراءه مطالب! ولعمري أن جميع النشاطات والفعاليات السياسية للجاليات العربية، بغض النظر عن دوافعها الشخصية والحزبية، إنما هي، وعلى الأقل، مطالبات إنسانية مشروعة بحقوق وطنية أو قومية وإشهار  أمام الرأي العام وفي وجه أولئك المنتهكين لتلك الحقوق. من الطبيعي أن تشوب تلك النشاطات أخطاء هنا وتقصيرات هناك. كما أن من الواجب أن يساهم الجميع في تصحيح تلك الاخطاء وتجاوز تلك التقصيرات. ويمكن أن تتخذ تلك المساهمات أشكالاً شتى من نقاشات وحوارات ومراجعات وتقييمات إلى تصريحات وكتابات وغيرها.

 

وفي هذا السياق لي عدد من الملاحظات الاخرى:

١- إن كثيراً من النشاطات والفعاليات السياسية للجاليات العربية، على إختلاف مستوياتها،  قد ساهمت في تسليط الضوء على كثير من القضايا الوطنية الإنسانية لنسبة كبيرة من أبناء جالياتنا العربية.

٢- ومن أجل الارتفاع بجدوى وفاعلية تلك النشاطات ينبغي الانتباه الى النقاط التالية:

– التسامي عن الخصوصيات  والتخندقات والتشنجات من شخصية وحزبية ومناطقية طالما كان الأمر يتعلق بحقوق أوطاننا الأم الإنسانية والمشروعة.

– البحث عن أفضل لغة وطريقة لتحقيق أهداف النشاط أو الفعالية السياسية والأخذ بنظر الاعتبار عقلية وعاطفة المخاطب فيها وتأثيرات البيئة التي تحيطه.

– الارتكان الى معطيات علم الدعاية السياسية ومخاطبة الجمهور كي لا نهدر جهودنا وتضيع اوقاتنا من ناحية، ولا نحقق إلا القليل   

أو ربما حتى السلبي من نشاطاتنا.

– أن نكسب البلد المضيف الذي أصبح الوطن الثاني لكثير من أبناء جالياتنا العربية ومؤسساته الى جانب قضايانا من خلال فهمه

وتحديد خطوط تحركه الحمراء من أجل نجاح أنشطتنا.

– أن يأتي كل ناشط سياسي بصبي أو شاب أو شابة معه في ما يساهم به من نشاطات، فهم الغد، وللغد ينبغي نحن أن ننظر.

– أن نؤمن أن الحقوق دون قوة(ايمانية وشرعية وعلمية وقدراتية وانجازية وذات قيمة إجتماعية) هي كجياد عرجاء لا تربح سباقاً.

– يجب أن يكون النضال الانساني فعلاً واعياً وممارسة هادفة وتضحية لا ينبغي أن تنتظر مقابلاً.

– أن نتذكر دائماً أننا نعيش في بلد ومجتمع ينتظر منا مساهمات سياسية واقتصادية وثقافية وجيلاً ثانياً قادراً على  تلبية مستحقات المستقبل، علماً وعملاً.

إن مراجعة هادئة لما حققته نشاطاتنا وفعالياتنا السياسية في ألمانيا وما يمكن أن يزيد من فاعليتها وتأثيراتها جديرة أن تكون محور نقاش هادف وبناء قد يفضي إلى مفاهيم جامعة لتلك النشاطات وأساليب أكثر  واقعية ومحاكاة للآخرين.