صعود التيارات السياسية الشعبوية يثير القلق

– يجب على المهاجرين أن يقدموا صورة إيجابية عن أنفسهم من خلال الالتزام بالقوانين، وحسن التعامل

ـ اليمين المتطرف.. غالبًا ما يعيش هذه الأفكار في دوائر مغلقة

أجرى الحوار عبير حميد

لقاء مع د. رائد الدبوني رئيس منظمة المغتربين العراقيين في برلين

 أذكر عندما كنت طفلة كان والدي يأخذنا كعائلة للنادي الاجتماعي الذي اشتركنا فيه وكنا نمارس هواياتنا الثقافية والرياضية وحتى الفنية وكان النادي ايضا ملتقى لكل العائلات ونمى فينا روح المشاركة والمساهمة الاجتماعية البناءة وروح العمل الخيري والتطوعي واستمر معنا حتى هاجرنا – وعلى غرار الأندية التي كانت موجودة في بغداد مثل نادي العلوية ونادي المشرق ونادي الصيد.  مازلنا هنا في بلد المهجر والوطن الثاني الذي يجمعنا ألمانيا، نحلم بأن يجمعنا ناد أو مركز او منظمة توحدنا وننطلق منها لطرح قضايانا ومشاكلنا ونؤطر رؤيتنا ونفعل اندماجنا مع بعضنا ومع المجتمع الالماني .

(الدكتور رائد الدبوني) يحمل هذا المشروع على عاتقه منذ عشرين عاما ويعمل بجهود حقيقية لتوحيد الجالية العراقية وهو المشروع الذي إذا ابصر النور فسيكون نبراسا وأنموذجا حيا لكل الحاليات العربية الاخرى .

الدليل التقت الدكتور وهو يرتدي زيه الأبيض في عيادته حيث يعمل طبيب أسنان طلبت منه بداية ان يعرف عن نفسه للقراء؟

ـ أهلاً وسهلاً، أنا رائد الدبوني، طبيب أسنان من مدينة الموصل. تخرجت من بغداد عام 1978، ثم حصلت على دبلوم عالٍ في الاختصاص وبعد ذلك على درجة الماجستير. أنا من أبناء الموصل، وهي مدينة معروفة بأن أهلها يتميزون بالحرص والجدية. فهم يتعاملون مع الأمور بروح المسؤولية، ويحرصون على سمعتهم وأسمائهم وعلاقاتهم مع الآخرين، والتي تقوم أساسًا على الثقة والمعرفة المسبقة بالشخص قبل التعامل معه أو الاعتماد عليه.

س- بعد هذا المشوار الطويل والمثمر والحافل بالانجازات المهنية دكتور دبوني أريد ان اسالك وباعتبارك من جذور أجنبية وثقافة ودين مختلف، هل واجهت صعوبات في عملك كطبيب ؟

– من خلال تجربتي في عدة ولايات، أستطيع القول إن الشعب الألماني شعب لطيف ومثقف ومسالم، ويتميز بالالتزام بالقانون والنظام. لا يتقبلون كسر القوانين أو التهاون بها، سواء من الألمان أو من غيرهم.

إذا التزم الإنسان بالقوانين، فلن يواجه صعوبة في الاندماج، بل سيجد ترحيبًا وتفهمًا. كما أن من صفاتهم التواضع في المعيشة والابتعاد عن الإسراف والبذخ.

س- ما رأيك بصعود التيارات السياسبة الشعبوية المعادية للأجانب ؟ الا يثير الأمر قلقك؟

– فيما يتعلق بصعود بعض التيارات اليمينية والشعبوية، والتي تتبنى مواقف معادية للمهاجرين، أرى أن كثيرًا من هذه المواقف ناتج عن جهل أو عدم احتكاك مباشر بالمهاجرين.

غالبًا ما يعيش أصحاب هذه الأفكار في دوائر مغلقة، بعيدين عن التفاعل الحقيقي مع المجتمعات الأخرى، مما يؤدي إلى تكوين صور نمطية سلبية.

الحقيقة مهنيا لم اواجه صعوبة تذكر ففي كل الوطن العربي ندرس للطب باللغة الانكليزية والانتقال من دراسة وامتهان مهنة الطب باللغة الانكليزية الى اللغة الالمانية شكل خطوة كبيرة وتحدي يحتاج الامر الى جهد ذهني عالي، ووقت

س – يعني متى ما استهان الشخص بقيمة  العمل  واحترام القانون في المجتمع الالماني سيجد صعوبة في الاندماج؟

– نعم سبجد صعوبة كبيرة في الاندماج والالمان مجتمع طيب ذو اخلاق ومسالم وهذا ماعشناه حقيقة معهم لفترة طويلة وأكثر ما اعجبني في الشعب الالماني هو انهم شعب متواضع كأسلوب حياة من حيث وسائل العيش، فليس عندهم مثلا مظاهر البذخ ولا التبذير والاستعراض لا في الملابس ولا في الاثاث ولا في حياتهم بشكل عام البساطة والتواضع في كل تفاصيل حياتهم هي السمة الغالبة .

ما هي رسالتك  للمهاجرين؟

– يجب على المهاجرين أن يقدموا صورة إيجابية عن أنفسهم من خلال الالتزام بالقوانين، وحسن التعامل، وإظهار الأخلاق والقيم. فالأفعال هي التي تعكس حقيقة الإنسان، وليس الكلام.

نحن أقلية في مجتمع كبير، ولذلك نكون دائمًا تحت الملاحظة، مما يتطلب منا التصرف بمسؤولية وتعزيز قيم التعاون والاحترام المتبادل.

س- تتابع الاخبار،والمجريات السياسية التي تبدو ضبابية بعد وصول احزاب يمينية متطرفة للبرلمان الاوربي والألماني  وتعلن العداء للجاليات العربية والإسلامية، ألا يساورك القلق من هذا المنظور؟

– كوني درست وتعلمت وعائلتي هنا تنتابني مخاوف طبعا وهناك مثل شعبي يقول (ان كنت تدري فتلك مصيبة وان كنت لا تدري فالمصيبة اعظم) بمعنى اننا نعرف ان الكثير من هذه الاحزاب اشاعت العنصرية والكراهية ضد الاجانب والمهاجرين وهي اصلا بعيدة عنهم، هي تنظر لهم من بروجها العاجية ومن تجمعاتهم الحزبية الخاصة ولقاءاتهم ونواديهم وجمعياتهم وفي احزابهم ومقراتهم اي انهم يلتقون مع بعضهم البعض، وكل واحد منهم يبث وينفخ سمومه للآخر ويزيده حقدا وكراهية على الآخرين، وبهذا هي لا ترى ولا تفرق  بينهم، انهم لا يريدون فهم أسلوب وطبيعة حياة المغتربين والمهاجرين والذين قد يكونوا من مجتمعات اكثر ثقافة وأكثر عمقا وأكثر تاريخا وحضارة من حضارتهم، و بالعكس نحن نرى ان هناك كثيرا من الالمان تعلموا منا بعض العادات والتقاليد الشرقية الجميلة، وتعلموا بعض المثل العليا والأخلاق.

اليوم في جالياتنا نحن نشكو من انعدام الثقة في المانيا ومن عمليات النصب والاحتيال ومن الغش، ومن الكذب ومن التسويف والسرقة والاختلاس والرشى في بعض الاحيان وهذه الامور لم تكن موجودة في الكثير من بلداننا الأم وهذا ما يتوجب علينا تكريسه هنا ( لا تقل لي من انت بل ارني من انت بتصرفاتك وأخلاقك )، وكيفية تعاملك مع الآخر المختلف وأحمد الله اننا نتطور في هذا المجال ونبث في علاقتنا مع  المجتمع الالماني  ومع مجتمعاتنا العربية والإسلامية هنا روح المحبة والتعاون واحترام الانظمة والقوانين لأننا نشعر اننا هنا مراقبين وأننا تحت المنظار من قبل المجتمع، نحن بالنهاية نمثل أقلية في المجتمع الألماني .

س- اشرت اكثر من مرة ان مشاكلنا هنا تتجسد في عدم وحدتنا وتفرقنا كجاليات وحدتنا قد تمكننا من نقل ثقافتنا بأفضل شكل ممكن؟

– العراقيون في ألمانيا اليوم، ومن خلال معرفتي بهم منذ 20 عامًا، للأسف نعاني من التفرّق والابتعاد عن بعضنا البعض. حاولت جاهدًا جمع شمل العراقيين، وكان من الشخصيات المميزة جدًا المرحوم الدكتور عزيز القزاز، الذي كان يمثل العرب في ألمانيا.

العراقيون تحديدًا، هم جزء من العرب بشكل عام، ومن المسلمين، لكن المشكلة هي عدم الوحدة. في الظروف اللي نمر بها حاليًا، نحن بحاجة إلى إعادة إحياء القيم الحضارية التي نحملها، والإضافة الإيجابية اللي قدمناها للمجتمع الالماني.

الحق يُقال، من أنشط الجاليات العربية الموجودة في ألمانيا هم الإخوة مكن سوريا،وفلسطين، وأيضًا من مصر، ولهم نشاط لا بأس به. لكن السوريين متميزين بنشاطهم واندماجهم السريع وتحركهم في الساحة الألمانية.

أما نحن العراقيون، فمنذ زمن بعيد ونحن في ألمانيا. البعض منا جاء منذ بداية الستينات. وأنا أذكر أن العلاقات العراقية الألمانية تعود إلى نهاية الثلاثينات. ومن أشهر الشخصيات العراقية آنذاك كان المذيع والإعلامي الكبير يونس بحري، الذي كان في برلين وافتتح إذاعة “هنا برلين حي العرب”، وكان يبدأ البث بتلاوة القرآن بصوته، وهو من أبناء الموصل.

وكانت لديه علاقات وصداقات مع شخصيات سياسية وحكومية كبيرة في ألمانيا. فمنذ ذلك الوقت، العلاقة بين العراق وألمانيا كانت قوية وراسخة، ولا زلنا نحتفظ بالاحترام والتقدير للشعب الألماني، ونعتز بالصناعة الألمانية والعقلية الميكانيكية والديناميكية لديهم.

وتعد منظمة المغتربين العراقيين في ألمانيا، ومقرها برلين (تأسست 1992)، من أبرز المؤسسات الداعمة للجالية، و تم تجديد هيئتها الإدارية مؤخراً لدعم نشاطات فرع برلين وبراندنبورغ. تهدف الجمعية إلى تعزيز التواصل الثقافي والاجتماعي بين المغتربين، وتنظم فعاليات اجتماعية وفنية تجمع العراقيين في برلين:

وكان من الشخصيات المميزة جدًا المرحوم الدكتور عزيز القزاز، الذي كان يمثل العرب في ألمانيا. كان أستاذًا كبيرًا في العلوم السياسية، ودرّس في عدة جامعات ألمانية، وكانت وسائل الإعلام الألمانية تلجأ إليه وكذلك المحطات العربية عند حدوث أزمات في الوطن العربي، خاصة في العراق. وكان يلتقي برؤساء الأحزاب والمحللين السياسيين.

رحل عنا خلال فترة كورونا، رحمه الله. وقبل وفاته، كان قد نظّم انتخابات للمنظمة، وكان هو الرئيس الفخري والمؤسس.

 تم انتخابي رئيسًا لهذه الهيئة الإدارية في عام 2018، ومنذ ذلك الحين يتم تجديد الثقة بي. نقيم نشاطات وفعاليات قدر المستطاع لدعم أواصر العلاقة المتينة بين أبناء الشعب العراقي هنا في برلين وفي عموم ألمانيا.

 س ـ هل تقيم المنظمة مثل هذه النشاطات بصفة دورية ؟

– نعم، كانت النشاطات متوقفة خلال فترة كورونا لفترة طويلة، ولكن بعد ذلك عدنا إلى استئنافها. إلا أن الأحداث والمآسي التي وقعت في بلداننا أثرت علينا، ومنعتنا من الاستمرار في المناسبات الاجتماعية والاحتفالات واللقاءات الثقافية، وعلى رأسها الحرب على غزة والحرب المشتعلة بين إيران والولايات المتحدة الامريكية حاليا (للأسف) . فقد أخذت هذه القضية حيزًا كبيرًا من اهتمامنا، وشاركنا في التظاهرات والمحاضرات المتعلقة بها، مما أدى إلى الابتعاد عن النشاطات الاجتماعية.

العراقيون، مثلهم مثل العرب بشكل عام والمسلمين، يعانون من مسألة عدم الوحدة. نحن بحاجة إلى تعزيز القيم الحضارية التي نحملها، وإبراز الإضافة الإيجابية التي قدمناها للمجتمع الألماني..

س –  ما  أبرز الأسباب التي حالت دون توحد الجالية العراقية، وما الحلول المتاحة لمعالجة ذلك ؟

بالنسبة للمعوقات والحلول، فمن وجهة نظري، في الدرجة الأولى يجب أن يكون هناك تواصل مباشر ولقاءات دورية بين السفارة العراقية في برلين والجالية العراقية، بهدف تبادل وجهات النظر وتعزيز التعاون المشترك. لقد حاولنا التواصل مع السفارة عدة مرات، لكنها لا تفضل العمل مع منظمة المغتربين العراقيين أو مع الجمعيات العراقية العريقة الرصينة  ذات الدور الثقافي هنا في برلين، وتكتفي بأداء مهامها الرسمية فقط.

س – وهذا أمر مستغرب، خاصة وأن الكثير منهم كانوا مغتربين في السابق؟ .

–  نعم أحسنت ولا نعلم كيف يتم تنظيم وبرمجة نشاطاتهم وتنظيم علاقتهم مع هذه الجالية الكبيرة في ألمانيا، والتي تُقدّر بالآلاف، إن لم يكن بعشرات الآلاف. هناك نقص واضح في الدعم والمتابعة والمشاركة والمؤازرة، وهي أمور يُفترض أن تأتي من السفارة بالدرجة الاولى .

س- ربما ما يزالون يعملون بعقلية المعارضة رغم انهم استلموا مقاليد الحكم في العراق منذ سنوات طويلة ؟

نعم للأسف الشديد هذا هو الواقع السياسي العراقي الذي نتعامل به اليوم ، كما ندعو العائلات العراقية في برلين إلى مزيد من الانفتاح على بعضها البعض، وكذلك على العائلات العربية والإسلامية، من خلال المشاركة في المناسبات وتبادل الأخبار حول الفعاليات والاحتفالات.

لدينا العديد من النشاطات مثل الحفلات والمهرجانات، وإن شاء الله  بعد انتهاء الحرب المشتعلة حاليا سنستأنفها بشكل أوسع. وخلال شهر رمضان الماضي وعيد الفطر اقمنا عدة نشاطات ثقافية وأمسيات رمضانية، وسيكون هناك المزيد من الفعاليات خلال الأشهر القادمة . نحن نؤمن بالجيل الجديد، ونتواصل معكم كإعلاميين لنشر نشاطاتنا، ونتطلع إلى المزيد من التعاون لتعزيز الاندماج الاجتماعي مع الشعب الألماني، كجالية عراقية وعربية.

س – ماهي طموحك ورؤيتك المستقبلية بشأن الجالية العراقية على وجه الخصوص والجاليات العربية بشكل عام؟

 ـ أحسنت في طرح هذا السؤال المهم، لأن هذا تحديدا هو ما تحدثنا بشأنه مع مجلس السفراء العرب. أما عن طموحي، فهو إنشاء نادٍ اجتماعي عائلي هنا، على غرار الأندية التي كانت موجودة في بغداد. وقد اخترنا له اسم “نادي الشرق”، ليكون مركزًا يجمع ثقافات وتاريخ وفلكلور الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويكون فضاءً للنشاطات الاجتماعية والثقافية والفنية. هذا حلم ونسعى لتحقيقه بإذن الله.

س- ما هي أبرز المعوقات الحالية ؟

–  المعوقات، أهمها هو إيجاد مكان مناسب، إضافة إلى الحاجة للدعم المادي والتقني، وكذلك الاستفادة من خبرات الشخصيات القيادية في تنظيم الجمعيات. لدينا الكفاءات والخبرات، ورؤساء الجمعيات السابقين ونستطيع إدارة المشروع وتجهيزه على أفضل شكل وإنجاحه بكافة السبل ان شاء الله لكن ما ينقصنا هو المكان.

وماذا عن الجهات الالمانية ؟ هل قدمت اي دعم يذكر ؟

– حاولنا مخاطبة الجهات المسؤولة، ولكن دون جدوى، وحتى من الجانب الألماني لم نحصل على دعم حتى الآن. حاليًا نحاول عبر مجلس السفراء العرب، ونأمل أن يكون هناك تعاون، خاصة مع سفارة المملكة العربية السعودية، ونرجو أن يحظى المشروع بقبول لديهم.

في النهاية شكر  الدكتور رائد الدبوني (مجلة الدليل) على اهتمامها بقضية توحيد الجاليات العربية و  ناشد  ابناء،الجالية العراقية والجاليات العربية الى التفاعل البناء،المنظم مع قضاياهم ومشاكلهم في المانيا ومن اهمها الاندماج الايجابي  شكرته بدوري على جهوده الحثيثة المخلصة  طوال عقود  على تح