عندما يصبح الدين أو الطائفة شكلاً من أشكال العصبية والعنصرية
د. نزار محمود
للدين قوة روحية لأنه يتعامل مع قضايا الحياة والموت والضمير والوجدان والنوايا الدفينة. كما أنه يتعامل مع المجهول والغيبيات، وحيث ان علم الإنسان ما يزال محدوداً وسيبقى، ستبقى كذلك حاجته الى ما يجيب له عن كثير من التساؤلات ويحقق له الطمأنينة في الدين والأسلوب الذي يناسبه.
وعلى مر التاريخ، وما تزال، تعيش الأديان في قلوب ونفوس الغالبية العظمى من البشر، وفي مقدمتها ما نعرفه من أديان سماوية ترتبت زمنياً في نشوئها وهي اليهودية والمسيحية والإسلام. وتشاء الصدف أو يشاء القدر أن تقوم هذه الأديان جميعاً في شرقنا وتحديداً، وكما جاء في الروايات الدينية، في مصر ( او اليمن) وفلسطين وشبه الجزيرة العربية.
والى جانب هذه الديانات السماوية هناك عدد من الديانات الكبيرة المنتشرة في بلاد الهند والصين واليابان وكوريا وفارس كالكونفوشوسية والبوذية والسيخية والمجوسية والزرادشتية وغيرها.
وتقوم الأديان عادة على ما يدعو له ويأتون به من البشر من رسل وأنبياء ورجال فلسفة وفكر وإصلاح وغيرهم، من عقائد وقيم وسلوكيات تهدف في مجموعها الى إعطاء صورة عن معنى ومآل حياة الإنسان وما يتضمن ذلك من ثواب أو عقاب في الدنيا والآخرة.
وبعد موت هؤلاء المؤسسين للأديان تكون تعاليمهم قد انتقلت أو دونت، ليحملها مجموعة من التابعين ويروحون مسترسلين في تفسيرها ومنوبين عن ما سبقهم من مؤسسين.
هذه الأديان جميعها لم تنشأ في اوروبا ولا في أمريكا الشمالية ذات فلسفات الديمقراطيات وحقوق الإنسان وصراع الحضارات ونهاية التاريخ.
دخلت وبدأ انتشار المسيحية في اوروبا في القرنين الأول والثاني الميلادي من خلال روما الوثنية واليونان وإسبانيا، ومن ثم تبعتها شيئاً فشيئاً الديانة اليهودية للحاجة المالية للدول الاوروبية التي لم تكن اديانها تسمح بالاقتراض الربوي!
ومع نشوء الإسلام في شبه الجزيرة العربية وقيام دولة خلفائه وانتشاره ودحره للإمبراطوريتين الرومانية والفارسية في أراضي اتباعه وازدياد قوته وفتوحاته على أيام الحلافتين الأموية والعباسية وما قام في الاندلس وقرطبة، وما حدث من امر الحروب الصليبية والفتوحات الاسلامية التي امتدت الى اوروبا كذلك، كان هناك قد حدث تخندق نفسي وسياسي وعسكري ومصلحي بين من يحمل هذا الدين أو ذاك والتي تداخلت وتعاشقت مع عامل القومية والمكان. فقد أصبح، مثلاً، الاوروبي المسيحي في الغالب عدواً للعربي المسلم في الغالب، دون ان يكون ذلك بالضرورة قائم على عقيدة أو ايمان أو التزام بشعائر. بتعبير آخر أصبح الدين شكلاً من أشكال الهوية القومية أو العصبية.
ولم يقتصر ذلك الشعور التعصبي الديني عند الشعوب، بل يمتد كذلك داخل الشعب أو المجتمع الواحد، ليصبح الدين والتمسك به عصبية أكثر منه معتقداً وقيماً روحياً.
هذه العصبية الدينية راحت متفرعة الى مذاهب وطوائف فقامت بينها اختلافات وخلافات وحتى صراعات دموية كلفت أرواح آلاف وملايين البشر وفي كثير من الأديان والمناطق في العالم، مثل ما نشهده اليوم من الصراع الشيعي السني في منطقة الشرق الأوسط، والتي أصبحت أداة تفريق وتدمير.
ما أحوج البشرية الى عقل راجح وحكمة تهدئ النفوس وتزيل الغشاوة عن أعين من ركبته العصبية الدينية أو الطائفية فسكب دم نظيره الإنسان الحالم بحياة على هذه الأرض. وما ألعن من استغل وأشعل فتيلة هذه النزاعات اشباعاً لحاجة نفسية مقيتة أو حصولاً على مكاسب سياسية أو أطماع في ثروة الغير.
.







