ضحكة اصطناعيّة (الشعر بين الإبداع  والمحاكاة)

موسى الزعيم

 في كتاب ضحكة اصطناعية للدكتور الشاعر حكمة شافي الأسعد، لا نقف أمام تجربة شعريّة فحسب، بل أمام مختبرٍ أدبيّ يختبر العلاقة الإشكالية بين الشعر والذكاء الاصطناعي، الكتاب يضع القارئ وجهاً لوجه أمام سؤال لم يعد مُستقبلياً، من يكتبُ الشعر اليوم؟ الإنسان أم الآلة! أم هو ذلك الكيان الهجين المشترك الذي يولد من تفاعلهما معا ؟

في مقدمة  الكتاب يصرّح الكاتب أنّ “ضحكة اصطناعية” انتاج تفاعل واعٍٍٍ، منضبط بين شاعر يمتلك خبرة شعرية طويلة، واخصاص أكاديمي في اللغة العربية، وبرنامج ذكاء اصطناعي ChatGPT بوصفه “مساعداً ومُقترحاً ” لا مُؤلفاً شريكاً بالمعنى الحقوقي أو الإبداعي.

من العنوان إلى الفكرة

يحمل العنوان “ضحكة اصطناعية” كثافة دلاليّة لافتة؛ يرتكز على المفارقة الإدهاشية الصادمة، فالضحكة هنا ليست مؤشر فرح أو ردّة فعل إنساني طبيعي، بل هي قناع، وإشارة إلى ما هو مُصنّع، مُقلق مُبرمج، غير ناضج الإنسانية، فالشاعر يلمّح منذ البداية إلى أن النصوص القادمة ستتأرجح بين الدفء الإنساني المفترض وبرودة الخوارزمية، بين العاطفة والاقتراح، بين التجربة الحياتية والصياغة الاحتمالية الافتراضية للكلمة والتركيب الشعري.

في مقدمة كتابه، يقول الدكتور الأسعد بأنّه خاض تجربته مع ChatGPT، في اختبار قدرته على كتابة الشعر العربي على أوزان الخليل، ويقرّ بأنّ الذكاء الاصطناعي لا يزال متعثراً عروضياً، وإن أحرز تقدماً ملحوظاً في قصيدة النثر والنصوص الحرّة، ما يمنح الكتاب صدقه النقدي؛ فالمؤلف لا يروّج لوهم “الشاعر الآلي” بل يكشف حدوده، ويضعه في حجمه الطبيعي، تبعاً لخوارزمياته وسرعة أدائه، في المحصلة هو أداة لغوية متطورة، لا ذات مبدعة مستقلة.

من خلال  نصوص الكتاب يمكن الاستنتاج وحسب تصريح الكاتب أيضاً أن قصيدة النثر هي الحاضنة المُثلى لتجربة هذا التفاعل، إذ يقدّم الذكاء الاصطناعي صوراً، واستعارات، وبُنى لغوية أولية، هي في الغالب جامدة، بينما يتدخل الشاعر في إعادة الصياغة، اختيارها واختبارها، وأجراء عملية التكثيف أو الحذف، وتحميل هذه  الصور والتراكيب البعد الإنساني العاطفي، من هذه النصوص مثلا “المرايا تعرف كلّ شيء” والقناص و”عملية تجميل”  وهنا تكشف عن حساسية شعرية، لكن ما يمنحها عمقها الحقيقي هو اللمسة البشرية النهائية التي تعيد توجيه النص من احتمال لغوي جافٍ إلى موقف شعري، موسوم بالعاطفة، ومشبع بالأحاسيس.

من يملك النص؟

أهمّ ما يطرحه “ضحكة اصطناعية” ليس جماليات النص الشعري، ودقّة التركيب وسبك الجملة، بل سؤال الملكية الإبداعية أيضاً، فالكاتب يصرّ وبوضوح على أن ChatGPT لا يملك أي حقوق أدبية أو مالية، وهو تصريح يتجاوز الشأن القانوني وحقوق الملكية إلى موقف فلسفي فكري  فالإبداع لا يُقاس بالاقتراح، بل بالاختيار، ولا باللغة وحدها، بل بالوعي الذي يوجّهها، هنا يقدّم الأسعد تصوراً متقدماً لدور الشاعر في عصر الذكاء الاصطناعي: ليس منتجاً وحيداً للنص، بل قيّماً عليه، ومهندساً لدلالته.

الشعر كمرآة للزمن

من  يقرأ نصوص الحب، والحرب، والمدينة، والجسد، يبدو الذكاء الاصطناعي كمرآة تعكس العالم بلغة مصقولة باردة، بينما يتولى الشاعر كسر هذه المرآة أو إعادة ترتيب شظاياها. مثل قصيدة “لو كان الحب كتاباً” لو كان الحبّ كتاباً / لكان يُكتب بحطّ اليد/ لا بنقرات آلة صاخبة  القصيدة  مثالٌ واضحٌ على ذلك؛ فهي نصّ شديد الإنسانية، يقوم على الذاكرة، واللّمسة، والزمن، وهي عناصر لا يمكن للآلة أن تعيشها، لكنها تستطيع محاكاتها لغويا أو ترتبها رياضياً، ولا يمكنها أيضاً أن تتوقع نبوءات “لو” على متن القصيدة، النبوءات التي تشبه خيوط الضباب في  مخيلة الشاعر، لا يمكن للآلة القبض عليها و تفكيكها.

قيمة الكتاب وأهميته

تكمن أهمية ضحكة اصطناعية في كونه تجربة أدبيّة مبكّرة، ترصد بدايات التفاعل بين الشعر العربي والذكاء الاصطناعي، دون تهويل، أو خوف، إنه كتاب لا يدّعي أن الآلة ستكتب الشعر بدلاً عن الإنسان، بل يقترح أن الشعر، كعادته، سيستوعب الأدوات الجديدة  والمعطيات الحديثة ويعيد تشكيلها.

ضحكة اصطناعية ليس كتاباً عن الذكاء الاصطناعي بقدر ما هو كتاب عن الإنسان في زمنالخوارزمية الذي بدأت تتغلل في جميع مناحي الحياة، إنه تجربة جريئة، نقدية، ومفتوحة، تضع الشعر العربي في قلب نقاش عالمي، وتؤكد أن الإبداع سيظل فعلاً إنسانياً طالما أن الآلة مازالت تقف على حدود العاطفة وتخوم الشعور الإنساني  حتى وإن استعان بأكثر الأدوات تطوراً، لكن القلق، والأسئلة، والقصيدة، ما زالت بشرية تماماً.

 يقع الكتاب في  65 صفحة وقد صدر الكتاب عن دار نرد للنشر والتوزيع 2025

 الدكتور حكمة شافي الأسعد شاعر سوري مقيم في ألمانيا