تركيا أصبحت مثل “كرة المضرب” بين واشنطن وموسكو

.

محمد عبيد الله

زعم عضو هيئة التدريس بجامعة “موسكو” الحكومية “كريم هاس” أن عملية “شرق الفرات” التي ترغب تركيا بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان في تنفيذها، سوف تتحدد على ضوء نتائج المفاوضات التي تجري بين دمشق وقوات حماية الشعب الكردية على المستوى الأدنى، والمباحثات التي تجري بين واشنطن وموسكو على المستوى الأعلى.

جاء ذلك في حوار أجرته الكاتبة الصحفية أيسر جينار من موقع “أحوال تركية” مع كل من عضو هيئة التدريس بجامعة “موسكو” الحكومية “كريم هاس”، وسفير تركيا السابق في واشنطن “فاروق لوغو أوغلو” حول المعادلات الإقليمية والتداعيات المحتملة.

وقال كريم هاس: “إذا تمت المصالحة بين دمشق وقوات حماية الشعب الكردي فإن هذا سيعني أيضاً الاتفاق بين موسكو وواشنطن. وفي هذه الحالة، لن تستطيع أنقرة فعل الكثير في شرق الفرات من دون أخذها في الحسبان المواجهة مع كل هذه القوى. لكن إذا تعذر الوصول إلى الاتفاق بين دمشق وقوات حماية الشعب الكردي، وبين واشنطن وموسكو بشأن الكيان الذي سيسيطر على منطقة منبج، وشروط تلك السيطرة، فإن أنقرة لن تستطيع القيام بأي شيء دون تقديم تعهدات أو تنازلات لروسيا وأميركا في آن واحد. لكن هذه الخطوة من شأنها أن تجلب على تركيا مخاطر ومصائب عديدة.”

تركيا تعيد النظر في عملية شرق الفرات

وفيما يتعلق بدلالات الانسحاب الأمريكي المحتمل من سوريا، قال كريم هاس: “أولا؛ قرار ترامب بسحب الجنود الأمريكان لا يعني أنه سحب يده من سوريا وتركها بالكلية. ثانيا؛ لم يعطِ هذا القرار الضوءَ الأخضر للعمليات العسكرية التركية المزمعة في شرق الفرات. ثالثًا؛ القرار لا يعني أن دعم أمريكا لوحدات حماية الشعب الكردي/ حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي قد انتهى؛ إذ أعلن ترامب في تغريدة جديدة أن هذا الدعم سيستمر. لذلك نعتقد أن تركيا بدأت تعيد النظر في العملية العسكرية التي تريد تنفيذها في شرق الفرات بعد هذه البيانات الأمريكية والمفاوضات التي أجرتها في موسكو قبل عدة أيام.”

ورجح الخبير في العلاقات الدولية وسياسات موسكو، أن الرئيس أردوغان طلب مساعدة من روسيا لاستخدام المجال الجوي السوري في إطار عملية شرق الفرات المرتقبة، إلا أنها لم توافق على هذا الطلب. كما دافع أن الانسحاب الأميركي لن يكون شاملاً لكل الجنود والقواعد العسكرية وأعضاء الاستخبارات المركزية الأميركية والاستشاريين والموظفين الآخرين، وأن الولايات المتحدة بأغلب الاحتمال ستحتفظ بوجودها العسكري في سوريا بنوع من “التغطية”، من أجل الاستمرار في دعم حلفائها قوات سوريا الديمقراطية حتى تتبين وتتبلور العملية السياسية في سوريا، وكذلك التحكمِ بالصراعات التي قد تنشأ في المستقبل بين تركيا وقوات حماية الشعب الكردي أو النظام، أوالجهات الفاعلة الأخرى، بما فيها روسيا، والحدِّ من الجهود الإيرانية الرامية إلى توسيع نطاق نفوذها في سوريا.

العلاقات التركية-الروسية مهدددة

كما ارتأى كريم هاس أن الإدارة الأميركية ستقلل بقرار الانسحاب ولو خلال فترة زمنية طويلة من مسؤوليتها عن الصراعات المستقبلية المحتملة في المنطقة من جانب، وستفشل هدف موسكو الساعي إلى خلق أزمات أمنية جديدة بينها وبين أنقرة من جانب آخر، وفصل ذلك بأن الكرملين كان يرى السماح للجيش التركي بزيادة مواقعه في شرق الفرات ممكنًا إذا كان ذلك سيؤدي إلى تعميق الأزمة بين أنقرة وواشنطن، لكن ترامب أجَّل بقرار الانسحاب هذه الأزمةَ المحتملة على المدى القصير، وفي الوقت ذاته ألقى الكرة إلى ملعب الكرملين ليجد “صيغة حل خلاقة” للمشكلة الكردية في المنطقة المستمرة منذ نحو قرن.

وزعم كريم هاس أن روسيا تسعى إلى الإيقاع بين الجيش التركي والأمريكي في الميدان ما دامت واشنطن ستُبقي على وجودها العسكري في المنطقة، مما يدل على أن ما تنتظره أنقرة من عملية شرق الفرات وما تنتظره مسوكو مختلف بالكلية، وعلى المنوال نفسه، فإن واشنطن قد تخطط إلى إحداث نوع من القطيعة في العلاقات التركية-الروسية، ما يكشف اختلافًا بين أهداف كل من واشنطن وأنقرة من عملية شرق الفرات كذلك، وفق قوله.

ولم يستبعد الخبير في الشؤون الروسية أن تعطي روسيا لتركيا الضوء الأخضر وتمنحها بعض الجيوب أو تنشئ لها مناطق عازلة على خط الحدود المشتركة لتمكّنها من تنفيذ العملية التي تريدها، وذلك من أجل توظيف الجيش التركي كـ”عصا” لتهديد قوات حماية الشعب الكردي من جهة، وتقديم انتصارات عسكرية رمزية لأردوغان قبيل انتخابات مارس البلدية حتى يشعر بـ”المديونية” لموسكو من جهة أخرى. ثم استدرك قائلاً: لكني أعتقد أن موسكو لن تشعر بالرضا من انتقال منبج إلى سيطرة الجيش التركي تماما. وحتى إن نفذت أنقرة عملية محدودة في شرق الفرات فإن الكرملين سيزيد ضغوطه عليها في وقت لاحق لتنسحب من تلك المنطقة، إلى جانب انسحابها من مدينة إدلب وخط عفرين-عزيز-جرابلس. وعندها سيتساءل الرأي العام، بالنظر إلى النتائج، لماذا يتصرف نظام أردوغان وكأنه شريك سري لنظام الأسد بحيث تصبّ كل خطواته في صالحه في المحطة الأخيرة!”

لفت كريم هاس أيضًا إلى المعادلات المعقدة في المنطقة قائلاً: “ولا بد أن تضع تركيا في حسبانها أن الدعم الأمريكي لقوات حماية الشعب الكردي، والحوار الروسي مع الأكراد، ومساومات “الحكم الذاتي” بين دمشق والأكراد، والمحادثات الجارية بين واشنطن وموسكو، واحتمالية توجه النظام السوري إلى الانتقام من أنقرة من خلال الترويج بأنها “قوة محتلة” في سوريا، والتأكيد على علاقاتها مع التنظيمات الجهادية في إدلب، بالإضافة إلى المحاولات الإيرانية الرامية إلى إخراجها من المعادلة في سوريا.. فكل هذه المعادلات الحساسة قد تسفر عن نتائج غير مرغوبة من الطرف التركي. لذا أرى أن عملية مرتقبة في شرق الفرات وسط هذه الظروف السياسية والاقتصادية ستكون مخاطرها الأمنية على تركيا أعظم من المتوقع.”

أما فاروق لوغ أوغلو، سفير تركيا الأسبق في واشنطن، فأكد أنه من الخطأ الاعتقاد بأن روسيا تنظر إلى العملية التركية المحتملة في شرق الفرات بشكل إيجابي، لأن تلك المنطقة تقع ضمن الأراضي السورية، وقوات حماية الشعب الكردي في تعاون وتواصل مع دمشق. وأضاف قائلاً: “ومن الممكن أن يُترك شرق الفرات إلى الجيش السوري أيضًا عقب اتفاقية أشمل بين الأطراف. لذا قد تعترض روسيا كذلك على هذه العملية. أضف إلى ذلك أن إيران هي الأخرى لن ترغب بأن تصبح تركيا قوة فاعلة في الشرق السوري من خلال عملية واسعة النطاق.”

وفي إطار تعليقه على هذا الحوار، زعم حساب “نبض تركيا” أن أردوغان “أصبح مثل كرة الطاولة بين روسيا بوتين وأمريكا ترامب.. مذبذبًا بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء!”، على حد وصفه.