الهويّة وتجليّات الاغتراب في رواية “هارب إلى قدري”

موسى الزعيم

تندرج رواية “هارب إلى قدري” للكاتب الفلسطيني محمد جودة، ضمن الأعمال السردية الروائية العربية المعاصرة التي تتجاوز حدود الحكاية التقليدية، لتغدو مساحة للتأمل الفلسفي تطرح أسئلة الهوية والمنفى والذاكرة والوجود الإنساني المأزوم والاغتراب. والرواية لا تقدّم تجربة فردية فحسب، بل تبني خطابا إنسانياً مركباً يعكس مأساة الانسان الفلسطيني في سياقها الواسع.

في الرواية يتحوّل الشخصي إلى مرآة جماعية، ويصير الذاتي تعبيراًّ عن حالة وجوديّة إنسانيّة عامة، ومن هنا تأتي أهمية الرواية، إذ يشتبك فيها الواقعي بالأسئلة الوجودية الكبرى التي تضغط على الهوية والانتماء، وتبحث في حدود النجاة واحتمالية الهروب من القدر على الأقل في اللحظة الآنية، ومن هنا تبدو عبثية الفكرة  الهروب إلى ما لابدّ منه” وهو ما اتكأت عليه في معالجة هذه القضية.

الشخصية الرئيسة التي تروى الأحداث من منظورها، فلسطيني يعيش في الغربة ويحاول العودة إلى غزة، فيحمل عبء الذاكرة والهوية والأسئلة الشاغلة.

تقوم الرواية على بنية سردية تعتمد على الراوي بوصفه محوراً فاعلاً يتحرك بين عالمين متناقضين: المنفى في أوروبا، والوطن في فلسطين، غزة. غير أن هذا التنقل لا يُفهم ضمن سياقه الجغرافي فقط، بل باعتباره تمزقاً وانقساماً داخلياً يعيد تشكيل وعي الذات. فالبطل نشأ وسط الحرب والحصار، وعاش تجربة الخوف والقصف منذ الطفولة،  لكنه وجد نفسه أمام تحديات الواقع، من ضمنها البقاء في الخطر أو الهروب، يعيش قلقه اليومي تحت ضغط القصف والخوف والانتظار، والقلق على من حوله، والترقب ومتابعة قوائم السفر والأسماء يومياً من أجل النجاة.

في غربته راح أيضا يعيش حالة من التصدع بين “أنا قانونية” يمنحها له جواز السفر وحقوق الانسان والقوانين العامة، و”أنا وجودية شعورية” مسكونة بالذاكرة والانتماء الأول، وما يصاحب هذا الانتماء من أوجاع صارت سمة على وجه التاريخ.

هذا الصراع يظهر أيضا في مقولة أحد شخصيات الرواية الذي ولد في ألمانيا، لكنه يشعر دائما بغربة وجودية:
“أنا ولدت هنا، لكنني أشعر دوما أنني غريب…”
وهي جملة تكثف المفارقة الأساسية في الرواية: إمكانية أن يعيش الإنسان في المكان دون أن ينتمي إليه، وأن يحمل وثيقة وجود قانونية دون أن يكتمل وجوده الإنساني.

إن هذا التمزق لا يظل فردياً، بل يتسع ليشمل رؤية فلسفية للهوية بوصفها بنية غير مستقرة، قابلة للتفكك وإعادة التشكل وفق السياقات السياسية والاجتماعية، والعوامل الطاردة من الوطن الأم. هذه السياقات تظهر بوضوح من خلال تعدد الطيف البشري الذي يصطدم بهذه العوامل ليعيد إنتاج نفسه في الوطن الجديد ضمن سياقات صورية شكلانية.

من أبرز ما يميز الرواية اشتغالها على المكان باعتباره كياناً رمزياً، إذ هو مرآة تعكس الحالة النفسية للشخصيات. وتتساهم الأمكنة في الرواية في إعادة إنتاج دلالات نفسية متواترة، فكل ما يمر به أبطال الرواية من أمكنة، وإن كانت حيادية، لها دلالاتها داخل شخصيات الرواية، فهي تعيد إنتاج القلق والتوتر والدهشة وغيرها من التفاعلات النفسية الداخلية للشخصيات.

فمحطة القطار في مدينة هاجن الألمانية مثلاً تظهر بوصفها نقطة البداية في الرواية وفي تجربة الاغتراب، يرى السارد أنها مكان رمادي يشي بالوحدة والضياع، رغم التفاعل الإنساني للأقرباء  والمعارف وحفاوة الاستقبال، مما يجعلها رمزا للانقطاع عن الأصل.

أما القطار نفسه فيتحول إلى فضاء متحرك، يعمّق الإحساس بعدم الاستقرار، حيث يختلط فيه البشر دون أن يلتقوا فعليا.

وفي المقابل، يمثل مطار فرانكفورت عتبة بين عالمين: عالم الغربة وعالم الوطن، حيث يتجلى الشعور الإنساني في مواجهة الأنظمة البيروقراطية، والروتين والورقيات، وكأن الإنسان يتحول إلى رقم مؤقت في فضاء لا يعترف بذاكرته.

كما تبرز القاهرة كمدينة نابضة بالحياة تحمل طابعاً مختلفاً، حيث يشعر فيها البطل بشيء من الألفة والحنين، وكأنّها محطة وسطى بين الغربة والوطن. وتأتي أيضا أماكن مثل المقهى والغرفة الصغيرة لتعبر عن العزلة والتأمل الداخلي، حيث يواجه البطل ذاته وأسئلته الوجودية.

أمّا قطاع غزة ومعبر رفح، فهما من أكثر الأماكن دلالة من حيث التأثير العاطفي على بنية السرد، فغزة تمثل الجذور والهوية والذاكرة، لكنها في الوقت نفسه مرتبطة بالألم والحصار. أما معبر رفح فيرمز إلى المعاناة والانتظار الطويل، حيث يصوّر كمكان قاس يختبر صبر الإنسان وكرامته، ويختزل معاناة الفلسطيني في التنقل والحرية.

وفي ذروة التجربة الموجعة، فإن غزة ومعبر رفح يمثلان ذروة التوتر الوجودي على الساحة الزمانية والمكانية. فغزة ليست فقط وطنا، بل ذاكرة جريحة تكشف عار الإنسانية التي ترى وتسمع وتصمت.

 في الرواية؛ كما في الواقع المحزن، يتحوّل المعبر إلى رمز للانتظار القاسي، للموت الداخلي، للانتظار الثقيل المرعب. وهل يجيد الفلسطيني سوى الانتظار؟

“لقد أراد الضابط أن يمنحني فرصة للتعبير عن أكثر شيء يفعله الفلسطيني ويجيده؛ الانتظار.”

وهنا يتحول المكان إلى أداة قمع وقهر زمني، لا جغرافي فحسب.

الهوية المتشظية

تتمحور أحداث الرواية حول شخصية الراوي، بوصفه الشخصية المحورية التي تروى الأحداث من منظورها، يعيش تجربة الغربة، حاملا عبء الذاكرة والهوية والأسئلة التي تقلقه. وتتقاطع معه بقية الشخصيات: سام كصديق يميل إلى التأمل والتحليل، مجسداً صراع الاغتراب والتوازن بين عالمين، تبرز مشكلته مع شعوره بعدم الانتماء الحقيقي، سام يمثل جيل الشتات المولود في المنفى، الذي لا يجد ذاته في أي من الهويتين، ويصف حاله بصورة رمزية حين يشبه نفسه بـ”نورس يبحث عن مرفأ” في دلالة على التيه الدائم.

بينما يمثل السائق هارون البعد الإنساني البسيط بروحه المرحة وحكمته رغم قسوة الظروف، ويجسد والد سام نموذج الجيل الصلب الذي يربط الماضي بالحاضر، في المقابل، يمثل هارون الجيل الأكثر ارتباطا بالذاكرة الوطنية، لكنه يعيش صراعا بين الحلم والواقع، بين العودة المؤجلة والحياة المتسارعة في المنفى.

 في حين يبرز الأب كرمز للجذر العائلي والصبر، والجدة كحافظة للذاكرة الجماعية والحنين، والأم كصورة للأمان المفقود، والزوجة كداعمة مساندة له في لحظات التوتر و الذي يعمق شعور الاغتراب، أما خالد وأبو زهير فيعكسان معاناة الحرب والاقتلاع الجماعي.

بينما تأتي شخصية حسن لتجسد البعد البسيط للهوية، حيث تصبح الجغرافيا وحدها معيار الانتماء دون تعقيدات فلسفية.

وبهذا تتكامل هذه الشخصيات لتشكل بنية دلالية، حيث يغدو الراوي مركز الوعي، وتتحول بقية الشخصيات إلى مرايا للهوية والذاكرة والمعاناة الإنسانية.

تتقاطع كل شخصية مع الأخرى عبر رحلتها النفسية والفيزيائية، ولا تعتمد الرواية على كثافة عددية في الشخصيات، بل على نماذج رمزية تمثل مستويات مختلفة من الاغتراب.

فالبطل هو مركز التمزق، إذ يعيش بين وطن مفقود وغربة مفروضة، ويطرح سؤالاً دائماً حول إمكانية الجمع بين الهوية القانونية والانتماء العاطفي.

هذا التنوع في الشخصيات لا يهدف إلى التشتيت، بل إلى إبراز أن أزمة الهوية ليست حالة فردية، بل بنية جماعية تتجلى بأشكال مختلفة، وقد خبرها الفرد الفلسطيني في مختلف دول الشتات.

حياة معلقة بين النجاة والانتظار

من أهم الموضوعات التي تطرحها الرواية فكرة “الانتظار” بوصفه حالة وجودية، فالفلسطيني في النص لا يعيش الزمن بوصفه حركة نحو المستقبل، بل بوصفه حالة توقف دائمة بين ما كان وما قد يكون.

في الرواية تتحول الحياة إلى سلسلة من الانتظارات: انتظار السفر، انتظار العبور، انتظار العودة، وحتى انتظار النجاة. هذا التحول يجعل الزمن نفسه عنصرا قاسيا يعيد تشكيل الوعي ويخلق شعورا بالإحباط والعدم.

ففي المعبر تتقاطع قصص وحكايا الناس الموجعة، ومشاهد الإذلال والقهر للمتزاحمين للنجاة على معبر رفح تحفر في الوجدان الإنساني، لكن هذا الألم والحزن والقهر لن يشعر به أحد، ولن يتحمله سوى الفلسطيني الذي أدمن المعاناة والانتظار، وخبر البحث عن مسارب النجاة كما يبحث عن خبز يومه المفقود بين الركام.

وفي هذا السياق، تعيد الرواية تعريف مفهوم النجاة، إذ لا تقدمها كخلاص فردي نهائي، بل كحالة مشكوك فيها، حالة لا نهائية، وكأنها تطرح السؤال الخفي: “أين وجهة اللجوء التالية أو أي منفى يحتويني؟” فالبطل ينجو جسديا، لكنه يبقى محاصراً نفسياً، يعيش حالة الترقب، مما يجعل النجاة نفسها نوعا آخر من المنفى الداخلي.

كما تطرح الرواية مفهوم الغربة بوصفه أكثر من مجرد انتقال مكاني، فالغربة هنا هي انكشاف الذات، وهي حالة فقدان للصدى الداخلي والخارجي معا.

“في الغربة يصرخ المرء على وسع المدى دون أن يرتد صدى صراخه.”

هذه العبارة تكثف فكرة العزلة المطلقة، حيث يتحول الإنسان إلى كائن غير مسموع، كائن رقمي غير مرئي، يعيش انفصاله عن العالم، وانكفاءه على الذات، واحتفاءه بالماضي، وارتكاسه في لحظات الضعف.

كما أن الغربة تتحول إلى بنية زمنية، فيصبح الإنسان “ابن الانتظار”، أي أنه معلق بين احتمالات غير مكتملة.

على الرغم من القوة الفكرية والعاطفية التي تقدمها الرواية، إلا أن الميل إلى التأمل الفلسفي المكثف أحيانا والغوص في تجليات الذات يأتي على حساب تطور الحدث السردي الروائي والغوص في حياة الشخصيات الأخرى والإضاءة عليها، مما قد يخلق وتيرة بطيئة في الإيقاع العام.

كما أن الاعتماد الكبير على الداخل النفسي يجعل بعض المقاطع أقرب إلى التأملات الوجدانية منها إلى البناء الروائي التقليدي، وهو ما قد يشكل تحديا للقارئ.

ومع ذلك، فإن هذا الخيار الفني يبدو مقصوداً، لأنه يخدم طبيعة الموضوع، حيث تصبح الفكرة أهم من الحدث، والوعي أهم من الحركة.

اللغة وعاء الألم

جاءت اللغة في الرواية شعرية تأملية، تمزج بين السرد والفلسفة، مما يجعل النص أقرب إلى مونولوج داخلي طويل يعكس قلق الذات واضطرابها، فالجمل غالبا طويلة، مشحونة بالصور والاستعارات، وهو ما يعكس طبيعة التجربة النفسية للبطل.

في الوقت نفسه، تعتمد الرواية في لغة السرد على التوازن بين الفصحى العالية واللغة اليومية، مما يمنح الشخصيات صدقا واقعيا، ويجعل النص قادرا على التحرك بين مستويات متعددة من التعبير، ما يعزز انتماء لغة الخطاب إلى مستوى الشخصيات الفكري والتأملي.

وتتغير اللغة حسب المكان: فهي باردة ومتحفظة في ألمانيا، ومشحونة بالألم في غزة، ودافئة نسبيا في القاهرة، وكأن اللغة نفسها تتأثر بالجغرافيا وتعيد إنتاجها.

لكن هذا الأسلوب، رغم جماله، قد يتحول أحيانا إلى كثافة فكرية تتطلب من القارئ جهدا تأويليا عاليا، مما قد يحد من انتشار النص لدى القراء الذين يفضلون السرد المباشر، الذي باتت الرواية تشتغل عليه في الوقت الحاضر، كنوع من التشابك بين اللغة الحاملة وتيار الوعي في السرد.

في المحصلة، يمكن القول إن رواية “هارب إلى قدري” تقدم تجربة سردية وفكرية عميقة تعيد طرح مفاهيم الهوية والاغتراب والنجاة وعلاقة ذلك بالمكان. فهي ليست مجرد رواية عن المنفى، بل عن الإنسان في بحثه الدائم عن معنى الانتماء في عالم متغير.

إذ إنها تسعى من خلال ذلك إلى أن تكشف أن الهروب من المكان لا يعني الهروب من الذات، وأن القدر ليس خارج الإنسان، بل يسكنه ويعيد تشكيله باستمرار حسب الأمكنة، ولذلك فإن قيمتها لا تكمن فقط في موضوعها، بل في قدرتها على تحويل التجربة الإنسانية إلى سؤال مفتوح يبقى متردداً في ذات القارئ حتى بعد الانتهاء من القراءة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  محمد جودة: كاتب فلسطيني  يعيش في ألمانيا