تنامي اليمين الشعبوي في ألمانيا يعيد تشكيل المشهد السياسي
عاطف عبد العظيم
تشهد الساحة السياسية الألمانية تحولًا لافتًا مع تصاعد دعم حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) وتراجع نسبي لتحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي CDU/CSU، وفق أحدث استطلاعات الرأي.وتعكس هذه المؤشرات حالة من التقلب في المزاج الانتخابي، وسط منافسة بين الأحزاب الكبرى قبل أي استحقاق انتخابي محتمل. وفي ظل هذا المشهد، تتزايد التساؤلات حول اتجاهات الناخبين وإمكانية إعادة تشكيل الخريطة السياسية في ألمانيا.
تنامي شعبية حزب البديل
عزز حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) تقدمه على تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CDU/CSU) في استطلاع “مقياس السياسة” الذي أجرته قناة ZDF. وإذا أُجريت الانتخابات الفيدرالية خلال يونيو من العام 2026، سيحصل الحزب على 28% من الأصوات (بزيادة نقطة واحدة). في المقابل، يحصل تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي على 24% (بانخفاض نقطة واحدة). كما ارتفع الحزب الاشتراكي الديمقراطي بنسبة نقطة مئوية واحدة، ليصل إلى 13%. وتراجع حزب الخضر بنسبة طفيفة (نقطتين) ليحتل المركز 12%، بينما بقي حزب اليسار دون تغيير عند 11%. وارتفع الحزب الديمقراطي الحر بنسبة نقطة واحدة، لكن بنسبة 4%، لن يتمكن من دخول البرلمان الألماني (البوندستاغ).
استطلاعات أخرى تُظهر وجود فجوة كبيرة
أظهرت استطلاعات رأي أخرى خلال يونيو من العام 2026 تفوقًا طفيفًا لحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) في نسب التأييد. ففي استطلاع أجراه معهد إنسا، بلغت نسبة تأييد حزب البديل من أجل ألمانيا 29%، بينما بلغت نسبة تأييد تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي 22%. كما أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة يوجوف حصول حزب البديل من أجل ألمانيا على 29%، موسعًا بذلك تقدمه على تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي إلى 9 نقاط مئوية. وفي استطلاع رأي آخر أجرته مؤسسة فورسا، انخفضت نسبة تأييد حزب البديل من أجل ألمانيا قليلًا إلى 27%، ولكنه لا يزال متقدمًا بفارق كبير على تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي (21%).
حزب البديل يهدف إلى الضغط على الخصوم السياسيين
قدّم حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) آلاف الأسئلة الرسمية في برلمانات الولايات، وهو حق مكفول لأي حزب منتخب. لكن المنتقدين يرون أن تركيزه يهدف إلى الضغط على الخصوم السياسيين. ففي يناير 2024، حث مدير المدرسة البافارية رولاند فويشت الناس علنًا على الانضمام إلى مظاهرة من أجل الديمقراطية والتنوع الاجتماعي في مدرسته. لكن دعوته لم تخلُ من عواقب. فقد قدّم عدد من أعضاء حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف ما يُعرف بـ”الاستجواب الصغير” في برلمان ولاية بافاريا، متهمين فويشت ومديري مدارس آخرين بانتهاك الحياد السياسي المطلوب من العاملين في الدولة. وتساءل النواب عما إذا كانت حكومة ولاية بافاريا ستتخذ إجراءات تأديبية ضد المدير.
دافع فويشت عن أفعاله، ولم ترَ حكومة ولاية بافاريا أي مبرر لانتقاد سلوكه. ومع ذلك، جادلت سيمون فليشمان، رئيسة رابطة المعلمين البافارية، بأن العواقب السياسية كانت وخيمة: “كل سؤال من هذه الأسئلة يجعلك، كمعلم، تتوقف للحظة”، كما صرحت لمجلة “كونتراست” التلفزيونية السياسية. “كمعلم، يجعلك تتساءل: هل عليّ فعل هذا؟ هل أدخل منطقة خطرة؟ لأن هذا هو الحال فعلًا عندما أعلم أنني قد أُشهَر”.
الخوف يسود بين المعلمين في ألمانيا
تتزايد التقارير عن محاولات مزعومة من جانب حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) لاستخدام الأسئلة البرلمانية لترهيب الناس. فعلى سبيل المثال، أفاد العاملون في مجال دعم اللاجئين أنهم شعروا بأن الحزب “يُضيّق الخناق عليهم”.
وفي مختلف أنحاء البلاد، يحذر باحثون وجمعيات وكنائس وأحزاب من أن الحزب يُسيء استخدام حقه في طرح أسئلة رسمية لترهيب خصومه السياسيين. تُعد الأسئلة الكتابية الصغيرة (Kleine Anfragen) من بين أهم الأدوات الديمقراطية في ألمانيا. تُمكّن هذه التحقيقات المعارضة من مراقبة عمل الحكومة، وبما أن الإجابات تُنشر للعموم، فإنها تُجبر السلطة التنفيذية على الكشف عن البيانات والحقائق.
في ألمانيا، يستغل السياسيون من جميع الأحزاب هذا الحق، وغالبًا ما تُفضي التحقيقات إلى نقاشات عامة مهمة. لكن اللافت هو أن حزب البديل من أجل ألمانيا يُقدّم عددًا كبيرًا من هذه الأسئلة باستمرار. فبين مارس وأكتوبر 2025 فقط، قدّم الحزب 525 سؤالًا إلى البرلمان الاتحادي (البوندستاغ)، أي أكثر من سؤالين يوميًا، ونحو ثلثي إجمالي الأسئلة البرلمانية، كما تشهد الأرقام ارتفاعًا على مستوى الولايات.
يُجري الحزب عددًا كبيرًا من التحقيقات في ولاية تورينجيا، إحدى معاقله، حيث يرأس بيورن هوكه كتلته البرلمانية. وقد صُنّف فرع الحزب هناك على أنه “متطرف يميني مؤكد”. ترى كاتارينا كونيغ- برويس، عضوة البرلمان عن ولاية تورينغن، أن هناك استراتيجية وراء سيل الأسئلة. تقول إنها تتعرض للإهانة والتشهير، وإن أي شخص ينتقد الحزب يصبح موضوعًا لسيل من الأسئلة. وتضيف: “أولًا، يحاولون الحصول على أسماء وبيانات الأفراد والجمعيات من المجتمع المدني، وهذا قد يؤدي إلى هجمات على هؤلاء الأفراد”. كما تعتقد أن العديد من الأسئلة تستهدف الأقليات، وتقول: “إن ما هو متطرف حقًا هو تلك الأسئلة التي يحاول الحزب من خلالها معرفة عدد من الفئات المجتمعية، وهذا يعيد ذكريات مؤلمة”.
منظمات المجتمع المدني تشعر بالضغط
مؤسسة أماديو أنطونيو، التي تتلقى تمويلًا حكوميًا، تقول إنها تتعرض لعدد كبير من الأسئلة البرلمانية التي تركز على تمويلها، بهدف التشكيك في عملها وإثارة الشكوك حولها. يرى المتحدث باسم المؤسسة أن الهدف هو خلق انطباع بوجود خلل أو “دولة عميقة” تعمل ضد مصالح معينة. سُجلت كذلك اتهامات أخطر تتعلق بإمكانية إساءة استخدام الأسئلة البرلمانية في قضايا تتعلق بالبنية التحتية الحيوية، بل وارتباطات محتملة بروسيا، وهي اتهامات ينفيها الحزب بشدة. يرى المنتقدون أن جوهر الإشكال لا يتعلق بشرعية الحق في السؤال، بل بطريقة استخدامه وكثافته واستهدافه، في حين يرد الحزب بأن ما يقوم به يدخل ضمن الرقابة الديمقراطية المشروعة على الحكومة.
,





