تحول خطير.. الذكاء الاصطناعي يخلق فيروسات حية في المختبر
في تطور يعد نقلة نوعية في تاريخ العلوم البيولوجية، نجح الباحثون للمرة الأولى في توظيف الذكاء الاصطناعي لتصميم وتصنيع فيروس وظيفي بالكامل داخل المختبر.
وهذا الاختراق العلمي الجريء لا يمثل مجرد إنجاز تقني فحسب، بل يشير إلى بداية حقبة جديدة يمكن فيها خلق أنواع حية جديدة، وتوجيه مسار التطور البيولوجي، متحدية بذلك مسار التطور الطبيعي الذي سارت عليه الحياة على مدار أربعة مليارات سنة.
وتمكن فريق من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا من تطوير برنامج ذكاء اصطناعي متخصص أطلق عليه اسم “إيفو2” (Evo2)، استطاع هذا البرنامج تصميم 285 فيروسا افتراضيا. ومن بين هذه التصاميم، تم تصنيع فيروس تجريبي حمل الرمز Evo-Φ2147 ووضعه في اختبار عملي.
وتم وضع الفيروس المصنع في أطباق مختبرية تحتوي على مستعمرات من بكتيريا الإشكيرية القولونية (E.coli) القاتلة، وقد أظهر 16 فيروسا من أصل 285 قدرة فعالة على مهاجمة هذه البكتيريا والقضاء عليها، بل إن خليطا من هذه السلالات الست عشرة تمكن من هزيمة حتى أكثر أشكال البكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية.
ومن الناحية التقنية، لا يعتبر الفيروس المصنع شكلا كاملا من الحياة المستقلة، فهو لا يحتوي سوى على 11 جينا (مقارنة بعشرين ألف جين في الإنسان)، ولا يستطيع التكاثر خارج عائل يحمله. لكن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز تكمن في إثبات مبدأ أن تصميم الجينوم الكامل للكائنات أصبح ممكنا عبر الذكاء الاصطناعي. والجينوم هو الشيفرة الوراثية الكاملة التي تحدد كل صفات الكائن الحي ووظائفه.
ويجمع الخبراء على أن تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مقترنة بأدوات التعديل الجيني الدقيق، ستحدث ثورة في مجالات متعددة تشمل الطب الحديث، علوم المواد، وحتى مسار التطور البيولوجي نفسه.
فمن الناحية الطبية، لو كانت هذه التقنيات متاحة خلال جائحة كورونا، لكان بالإمكان تطوير أول لقاح mRNA في غضون 62 ساعة فقط بدلا من 42 يوما. كما يتوقع العلماء إمكانية استخدام هذه التقنيات لاستعادة أنواع منقرضة أو حتى خلق أنواع جديدة تماما.
لكن هذا التقدم العلمي المذهل لا يخلو من مخاوف أخلاقية وأمنية عميقة. فالقدرة على تصميم فيروسات وكائنات حية في المختبر تطرح أسئلة حرجة حول حدود التدخل العلمي وضرورة وضع ضوابط أخلاقية صارمة.
إن المجتمع العلمي الدولي والمجتمع ككل مطالبون بفتح حوار جاد حول “من سيرسم الحدود، ومن سيحدد القواعد، وكيف سنتحكم في هذه القوة العلمية الجديدة” قبل أن تتقدم التقنيات أكثر مما ينبغي.
.





