اليمين المتطرف والشعبوية المتصاعدة

عادل فهمي

تشهد ألمانيا تحولات متسارعة في ظل تنامي اليمين المتطرف وتصاعد حضوره في المجالين الحزبي والمجتمعي. وحذرت الأجهزة الأمنية من أن التطرف اليميني بات يشكل تهديدًا متزايدًا للديمقراطية، في وقت يواصل فيه حزب البديل من أجل ألمانيا تعزيز موقعه في استطلاعات الرأي وتوسيع قاعدته الانتخابية. يمتد صعود اليمين المتطرف إلى محاولات اختراق الفضاء المجتمعي ومؤسسات الدولة، مستفيدًا من أزمات متلاحقة، أبرزها تداعيات حرب أوكرانيا، وأزمة الطاقة، والخلافات حول سياسات الهجرة. يعكس تنامي النشاط الرقمي لهذه الشبكات تحولًا في أدوات التطرف اليميني والاستقطاب، بما يعقّد مهمة الدولة في احتواء الظاهرة، كما ورد في تقرير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب.

تنامي شعبية اليمين المتطرف في ألمانيا

ترى هيئة حماية الدستور في “ولاية ساكسونيا أنهالت” أن التطرف اليميني يشكل تهديدًا كبيرًا للديمقراطية في ألمانيا. وأكد “يوخن هولمان”، رئيس مكتب حماية الدستور في الولاية، “نشهد ميلًا متزايدًا للعنف بين المتطرفين اليمينيين، بما في ذلك بين الشباب ذوي التوجهات العملية، وإن التطرف اليميني في مجمله يشكل تهديدًا كبيرًا لديمقراطيتنا”. منذ عام 2022، لوحظ تدفق للممثلين اليمينيين المتطرفين، وخاصة من ولاية شمال “الراين وستفاليا”، في منطقة “هارتس”. ويشارك هؤلاء المتطرفون اليمينيون المعروفون على المستوى الوطني بانتظام في المظاهرات التي تقام في “هالبرشتات،” على سبيل المثال، والتي يشارك فيها أنصار حزب البديل من أجل ألمانيا. يقول “هولمان”: “من الواضح أن المتطرفين اليمينيين يستطيعون تطوير طموحاتهم بسهولة أكبر في المناطق الريفية في شرق ألمانيا مقارنة بأجزاء أخرى من ألمانيا، فهم يواجهون معارضة أقل نسبيا”.

تشير استطلاعات الرأي تقدم حزب البديل من أجل ألمانيا بشكل واضح، فعلى سبيل المثال أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة “فورسا” في 20 فبراير 2026 أن حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) يحظى بنسبة تأييد بلغت (37%)، متقدماً على الحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD) المنتمي ليسار الوسط، بزعامة رئيسة وزراء الولاية “مانويلا شفيسيج”، الذي حصل على (23%)، والحزب الديمقراطي المسيحي (CDU) المنتمي ليمين الوسط، الذي حصل على (13%). تقول “رومي أرنولد” مديرة المشاريع في منظمة “موبيت” التي تتخذ من ولاية “تورينغ”ن مقرا لها وتعمل على مكافحة التطرف اليميني: “إن الأيديولوجيات والهياكل اليمينية المتطرفة أصبحت أكثر وضوحًا، لا سيما في المناطق التي تعاني من ضعف بنيوي، كما أنها توسع نفوذها بين فئة الشباب”. وأضافت: “أن تزايد حصة حزب البديل من الأصوات في كل انتخابات لم يعد يقتصر على شرق ألمانيا فقط”. ملف الأمن الدولي ـ النووي الإيراني والترويكا، السيناريوهات المحتملة

التغلغل في المجتمع ومؤسسات الدولة

شهد الجيش الألماني في عام 2024 تصاعدًا ملحوظًا في عدد حوادث التطرف اليميني، وتم فصل ما يقرب من (100) جندي من الخدمة بسبب تورطهم في حوادث ذات طابع يميني متطرف. وفي عام 2023، كان عدد حالات الفصل المشابهة قد بلغ (62) فقط، مما يعني أن الزيادة بين العامين تتجاوز (60%)، وهي نسبة تثير القلق وتشير إلى تصاعد مقلق في هذه الظاهرة داخل صفوف القوات المسلحة الألمانية. وأفادت وزارة الدفاع الألمانية بأنها أحصت نحو (280) حالة يشتبه بتورط أصحابها في أنشطة يمينية متطرفة خلال هذه الفترة، ما يمثل ارتفاعًا بنسبة (30%) مقارنة بعدد الحالات المسجلة. وكان أكثر من (60) جنديًا لا يزالون قادرين على الوصول إلى السلاح عند الاشتباه بسلوكهم المتطرف، فيما استمر أكثر من (20) آخرين في أداء وظائفهم كمدربين أو قادة داخل المؤسسة العسكرية، قبل أن تتخذ بحقهم إجراءات لاحقة.

كشف التقرير السنوي الصادر عن وزارة الدفاع الألمانية أنه لا يمكن رد عوامل التطرف إلى عامل واحد فقط. إذ يشير إلى أن هذه الظاهرة تتأثر بعدة متغيرات، من بينها الأزمات الجيوسياسية والحروب والصراعات الدولية، مثل النزاع في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا، إضافة إلى الاستقطاب السياسي داخل المجتمع الألماني، والذي يغذي مشاعر الاستياء ويزيد من قابلية بعض الأفراد لتبني الأفكار المتطرفة. ويؤكد التقرير أن الجيش، كجزء من المجتمع، يتأثر بالتحولات الاجتماعية والسياسية، وبالتالي فإن مظاهر التطرف داخله تعد انعكاسًا لحالة الاستقطاب العامة في البلاد. وهذا ما يجعل محاربة التطرف داخل الجيش لا تقتصر فقط على الإجراءات الأمنية، بل تشمل برامج التوعية، والتأهيل النفسي، والتثقيف السياسي.

تقول “أرنولد”: “يسعى اليمين المتطرف إلى التغلغل في كل مساحة يتواجد فيها الناس. ويظهر ذلك بشكل خاص في المناطق الضعيفة بنيويًا”. وتطرقت أرنولد إلى أسباب تصاعد الغضب بين الشباب، مشيرة إلى ضعف البنى الصناعية، وتراجع حضور الدولة في المناطق الريفية، والمشكلات داخل النظام التعليمي، إضافة إلى غياب التقدير الكافي للتضحيات التي طلبت من الشباب خلال جائحة كوفيد-19، باعتبارها عوامل تغذي هذا الإحباط”.

الخطاب الشعبوي تجاه الهجرة، الطاقة، وحرب أوكرانيا

تشير التحقيقات الأمنية الألمانية خلال العام 2025 إلى أن الهدف الأساسي لهذه الجماعات المتطرفة لا يقتصر على نشر خطاب الكراهية فحسب، بل يتعداه إلى السعي لإحداث فوضى عارمة وزعزعة الاستقرار وإسقاط النظام الاجتماعي القائم. أصبحت الهجرة موضوعًا مركزيًا في الخطاب السياسي الألماني، لاستقطاب الناخبين عبر التركيز على التصدي للهجرة غير النظامية وتشديد الحدود وترحيل البعض، حتى الأحزاب المعتدلة تبنت لهجة أكثر تشددًا تجاه الهجرة في محاولة لاحتواء الدعم المتنامي لليمين المتطرف. كما ساهمت مخاوف لدى بعض الناخبين بشأن الأمن الاقتصادي، في سياق حرب أوكرانيا وتأثيرها على واردات الطاقة وارتفاع الأسعار في استغلال اليمين المتطرف لهذه العوامل للتجنيد والاستقطاب.

دور وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات البديلة.

ظهرت في ألمانيا عدة مجموعات شبابية يمينية تضم مئات الأتباع، بعضها لا يتوانى عن ارتكاب أعمال عنف. وصرح متحدث باسم المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية “BKA”: “لاحظت السلطات الشرطية الفيدرالية وسلطات الولايات منذ العام 2024 تقريبًا ظهور مجموعات شبابية جديدة في المشهد اليميني، بدأت في الفضاء الافتراضي”. جذبت هذه المجموعات الانتباه بشكل متزايد من خلال الفعاليات والجرائم والأعمال التخريبية. تعد مجموعة “شباب أقوياء” أكبر هذه المجموعات، حيث يبلغ عدد أعضائها ما بين (3) أرقام. ويقدر أن أكثر من (100) شخص ينتمون إلى مجموعة “الشباب الألماني إلى الأمام”. كما تعد مجموعة “الفرقة التخريبية” من المجموعات ذات الأهمية العددية. وقد تصدرت مجموعة “الموجة الأخيرة من الدفاع” المشهد عندما ألقي القبض على ثمانية من أعضائها المشتبه بهم. صرح متحدث باسم مكتب التحقيقات الفيدرالي “BKA”، “تتوزع هذه المجموعات الشبابية على مستوى البلاد، وتضم فروعا إقليمية مختلفة”. وتستخدم منصات مثل “تيك توك وإنستغرام ويوتيوب” لتجنيد أعضاء جدد والحشد للتحرك، لا سيما للتحرك ضد “المظاهرات المناهضة لليمين”.

العلاقة بين الاحتجاجات الاجتماعية وتمدد اليمين المتطرف

تتهم الجماعات اليمينة المتطرفة ليس فقط بنشر الكراهية والتحريض على العنف، وإنما بتنظيم فعاليات تهدف إلى تعطيل النظام العام وتهديد الديمقراطية. فقد أشار مكتب حماية الدستور في ولاية “ساكسونيا أنهالت” إلى أن هذه المجموعات باتت تنظم نفسها منذ عام 2025 بأساليب جديدة، وتطلق دعوات مباشرة إلى ممارسة العنف، مع استهداف واضح للتجمعات السياسية والاجتماعية التي لا تتوافق مع أيديولوجياتها المتطرفة. ومن هنا، صنفت الحكومة الفيدرالية التحريض على المجتمع كواحد من أبرز التهديدات التي يجب التعامل معها ضمن أولويات الأمن الداخلي. يواصل بعض أعضاء اليمين المتطرف في ألمانيا تعزيز علاقاتهم مع روسيا لأسباب متعددة، تتراوح بين المصالح الاقتصادية والسياسية إلى الأيديولوجيا والتأثير السياسي المباشر. والمشاركة في القيم المحافظة، مثل الدفاع عن “القيم التقليدية” والموقف المعارض للهجرة، ما يخلق أرضية مشتركة لتعزيز العلاقات.

تشير التقارير إلى أن روسيا تسعى للتأثير على المشهد السياسي الأوروبي من خلال دعم أطراف يمينية متطرفة، كما توجد دلائل على وجود شبكات شخصية وروابط سرية، تشمل لقاءات سرية وتمويلات مشبوهة، ما يجعل العلاقة مع روسيا مستمرة رغم الانتقادات العامة. خضعت منظمة الشباب الجديدة التابعة لحزب البديل من أجل ألمانيا “جيل ألمانيا” لتدقيق وكالة الاستخبارات المحلية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى علاقاتها الوثيقة مع “حركة الهوية”. وفقًا لبحث أجراه مركز الأبحاث الوطني “RND”، برزت صلة وثيقة بحركة الهوية “IB”. وأدرجت “حركة الهوية” رسميًا على قائمة حزب البديل لألمانيا للمنظمات غير المتوافقة. ومع ذلك، لم يتردد المتحدثون في حفل تأسيس “جيل ألمانيا” في “غيسن” في الانضمام إلى الحركة.  ألمانيا ـ مستقبل السياسات الأمنية في مواجهة التهديدات غير التقليدية

الشبكات والتيارات الراديكالية داخل الأحزاب الشعبوية

استطاعت الجماعات اليمينية المتطرفة ، تحسين استراتيجياتها في استقطاب الشباب، بالاعتماد على تقنيات حديثة وأساليب أكثر مرونة في التنظيم. وأشارت الحكومة الألمانية إلى أن هذه التنظيمات غالبًا ما تكون غير مركزية، ولا تتبع تسلسلًا هرميًا تقليديًا كما في الجماعات المتطرفة التقليدية. وبدلًا من ذلك، تعتمد على شبكات مرنة وغير رسمية، تنشط من خلال تطبيقات المراسلة مثل “تلغرام”، ومنصات التواصل الاجتماعي مثل “تيك توك” و”إنستغرام”، مستغلة هذه المنصات لتقديم رسائل مصاغة خصيصًا لتناسب ذائقة الشباب ولغتهم اليومية. فهناك منظمات شبابية تابعة رسميًا لأحزاب يمينية متطرفة لا تزال تلعب دورًا مؤثرًا في تشكيل وعي الشباب. من أبرز هذه التنظيمات “دي هيمات Die Heimat”، بالإضافة إلى “الطريق الثالث Der Dritte Weg”، وهو تنظيم يميني متطرف يعرف بعدائيته للمهاجرين واللاجئين وللديمقراطية الليبرالية. كما سلطت الحكومة الضوء على “البديل الشبابي Junge Alternative”، وهو الجناح الشبابي لحزب البديل، الذي تم حله لاحقًا، بعدما اعتبره المكتب الفيدرالي لحماية الدستور تنظيمًا يمينيًا متطرفًا، نظرًا لنشاطه في نشر الكراهية العرقية والدعوة إلى سياسات إقصائية.

التمويل، الدعم الإعلامي، والاختراق المجتمعي

يستفيد اليمين المتطرف بشكل كبير من تمويل وتبرعات خاصة كبيرة من أفراد أثرياء، ودعم شبكات أو منظمات غير رسمية متجذرة في المجتمع، كذلك تمويل الدولة للأحزاب. ففي الفترة من عام 2025 إلى أوائل عام 2029 فقط، وهي الفترة التشريعية الحالية للبوندستاغ الألماني، يحصل حزب البديل ما يقارب 500 مليون يورو (580 مليون دولار) من أموال الدولة لأعماله الحزبية والبرلمانية. يقول عالم السياسة “ستيفن كايليتز”: “بدون المال، لا يمكن تمويل أي حملة انتخابية. ومن هذا المنطلق، يعد المال ضروريًا لأي حزب. وقد بنى الحزب نفوذًا ملحوظًا، لا سيما على وسائل التواصل الاجتماعي. ولولا المال، لكان هذا الأمر شبه مستحيل”. بفضل التمويل، تمكن الحزب من بناء هياكل تواصل ناجحة بسرعة كبيرة. وعندما دخل الحزب البوندستاغ، قرر استثمار الأموال في البنية التحتية، وأنشأ ما يسمى بـ”غرفة الأخبار” ضمن الكتلة البرلمانية للبوندستاغ. وبالتالي، استثمر حزب البديل في العقول، في رأس المال البشري. أوضح المستشار السياسي “مارتن فوكس”: “أن حزب البديل من أجل ألمانيا أنشأ شبكة كاملة من وكالات الأنباء، وهناك شبكة كاملة من الوكالات في ألمانيا تعمل بشكل رئيسي لصالح حزب البديل والجماعات التابعة له، ولم تكن هذه الوكالات لتوجد لولا وجود الأموال”. مستقبل العلاقات الأوروبية الروسية ـ دوافع التحول الأوروبي من القطيعة إلى البراغماتية

قراءة مستقبلية

– تزايد نفوذ أحزاب وشبكات يمينية متطرفة، لاسيما حزب البديل الذي يواصل تعزيز حضوره في استطلاعات الرأي والهيئات التشريعية، مستفيدًا من مخاوف اقتصادية واجتماعية مرتبطة بالهجرة وتذبذب أسعار الطاقة وتأثيرات حرب أوكرانيا على الأمن الأوروبي.

– توفر هذه العوامل بيئة خصبة لخطاب يميني متطرف يستثمر الإحباط لدي المجتمعات المحلية، خاصة في المناطق التي تعاني من ضعف اقتصادي وتراجع الخدمات، ما يعزز قدرة اليمين المتطرف على استقطاب أصوات عمرية متفاوتة خاصة بين الشباب الألماني.

– من المتوقع أن ترفع السلطات الألمانية من مستوى الرقابة الأمنية والاستخباراتية على الجماعات المتطرفة داخل مؤسسات مثل الجيش والأجهزة الأمنية، مع تعزيز التعاون بين السلطات الاتحادية والولايات لضبط منظومات التجنيد والتمويل. كذلك توسع البرامج التربوية والتوعوية داخل المدارس والمجتمعات المحلية للتصدي للأيديولوجيات المتطرفة، مع التركيز على مناهج تعزز قيم التسامح والمواطنة.

– من المحتمل أن يظل الخطاب السياسي العام ساحة صراع بين القوى التقليدية واليمين المتطرف، ما يجبر الحكومات على توضيح سياساتها بشأن الهجرة والطاقة والأمن دون الانزلاق إلى خطاب متطرف أو تهميش فئات اجتماعية. إن قدرة الدولة على الجمع بين الرد الأمني الفعال ومعالجات اجتماعية واقتصادية ستكون المفتاح في الحد من انتشار التطرف اليميني وتعزيز الديمقراطية الألمانية.