ألمانيا على أعتاب الحرب الافتراضية

عادل فهمي

تناولت صحيفة “ذا تايمز” البريطانية التحوّل المتسارع في سياسات ألمانيا الدفاعية، مع شروعها في الاستعداد لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية واسعة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، في سيناريو زمني قصير قد لا يتجاوز عامين إلى ثلاثة.

يسلّط التقرير الضوء على انتقال برلين من منطق “زمن السلم” إلى منطق الاستعداد الشامل للحرب، مع إعادة بناء منظوماتها اللوجستية والطبية والقانونية والمدنية، مستلهمة نماذج الحرب الباردة، لكن مع تكييفها مع واقع الحروب الحديثة التي تتسم بالهجمات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والتهديدات الهجينة.

وبحسب ما أوردته الصحيفة، بدأ السكان في ألمانيا يلاحظون مظاهر عسكرية غير مألوفة داخل المدن، مع تنظيم مناورات واسعة في الأحياء السكنية والمرافئ، تحاكي هجمات بطائرات مسيّرة وأعمال تخريب. كما تحوّلت الموانئ، وشبكات السكك الحديدية، والطرق السريعة إلى مواقع تدريب عسكري، حيث تُجرى تمارين على نقل القوات والإمدادات في ظروف الخطر.

ويلاحظ السكان أيضًا تصاعد التدريبات المشتركة مع قوات حليفة، تشمل عمليات الإخلاء الطبي الجوي وحماية طرق الإمداد، ضمن سيناريوهات تفترض أعدادًا كبيرة من الجرحى. هذا الاستعداد ينعكس في تفاصيل الحياة اليومية عبر اضطرابات متكررة، من إغلاق طرق إلى انتشار أمني كثيف، تُقدَّم بوصفها إجراءات تدريبية، لكنها في الوقت نفسه تهيّئ المجتمع لواقع طويل من عدم الاستقرار.

الاستعداد للسيناريو الأسوأ

في صلب هذه الاستعدادات، يبرز دور الجنرال الألماني جيرالد فونكه، قائد قيادة دعم القوات المسلحة، الذي يستعد لما يصفه بالسيناريو الأسوأ. وقال فونكه لصحيفة “ذا تايمز”: “عليّ أن أضع في الحسبان احتمال إصابة ألف عنصر يوميًا. وكلما تعمّقت في التفاصيل، ازداد الأمر تعقيدًا وأصبح من الأصعب تخيّله”.

بوجود نحو 55 ألف عنصر تحت إمرته، وهي قوة تفوق حجم جيوش وطنية أوروبية عديدة، يقود فونكه جهازًا جديدًا وواسع النطاق، يضم كل ما يلزم لاستمرار المجهود الحربي خلف خطوط الجبهة. ويشير إلى أن مصدر القلق الأساسي يتمثل في التهديدات الهجينة، قائلًا: “ما يقلقني حاليًا هو الجانب الهجين، الجانب الخفي: التخريب، الخلايا النائمة، نوع من الهجمات الموجّهة. لا يمكنني استبعاد استخدام صواريخ بعيدة المدى. لكنني أعتقد أن التهديد الهجين مرتفع جدًا”.

ويضيف فونكه أن الحفاظ على ألمانيا كمركز لوجستي يشكّل أولوية قصوى، موضحًا: “من المهم بالنسبة لنا الحفاظ على ألمانيا كمركز لوجستي، وإدارة خطوط الإمداد لأطول فترة ممكنة وبأكبر قدر من السلاسة، بحيث إذا تعطّل مسار ما، يكون لدينا خيار استخدام مسارات أخرى”.

نهج شبيه بالحرب الباردة

في موازاة ذلك، يجري استثمار جهد كبير لإعادة تفعيل ما يُعرف بـ”الذاكرة العضلية” للحرب الباردة لدى حلف شمال الأطلسي وألمانيا، لاسيما في ما يتعلّق بتعبئة السكان، والسلطات المدنية، والقطاع الخاص. ويشدّد فونكه على هذا البعد قائلًا: “يجب القول بوضوح تام إننا من دون الدعم المدني ضمن مفهوم الدفاع الشامل لن نكون قادرين على الدفاع عن أنفسنا”.

وفي هذا الإطار، بدأت بالفعل مناقشات أولية حول اعتماد نهج شبيه بالحرب الباردة والاستعداد بأقصى قدر ممكن لما هو قادم. ويشرح فونكه: “أجعل قواتي تتدرّب في ليتوانيا مع الوحدات نفسها في كل مرة، كي يعرفوا: كيف هو ميناء كلايبيدا؟ كيف تبدو طبيعة الأرض؟ أين تقع الشركات الحيوية؟ وأين يمكنني أن أنشئ قاعدة أو نقطة لمعالجة الجرحى؟”.

وتمتد التحديات إلى القطاع الخاص، إذ تشير الصحيفة إلى أن بعض الشركات بدأت تدرك حجم المشكلة وتبادر إلى التدريب على كيفية التعامل مع الأزمات، فيما لا تزال شركات أخرى بعيدة عن قطاع الدفاع غير مدركة لمدى تأثرها المحتمل. ويعلّق فونكه على ذلك بالقول: “كلما ابتعدت الشركات عن قطاع الدفاع، قلّ إدراكها أنها قد تتأثر هي أيضًا. هذا ليس نابعًا من سوء نية أو جهل، بل ببساطة لأنها لم تستوعب بعد كامل التداعيات”.

أما على الصعيد الطبي، فيُعدّ التخطيط أكثر تعقيدًا، إذ لم يحسم حلف شمال الأطلسي بعد بشكل دقيق كيفية توزيع الجرحى بين الدول الحليفة للعلاج، لكن الافتراض السائد هو أن تتحمّل ألمانيا جزءًا كبيرًا من العبء. ويمتلك الجيش الألماني خمسة مستشفيات خاصة به، إلا أن طاقتها البالغة نحو 1800 سرير قد تُستنفد بسرعة في حال اندلاع مواجهة واسعة. ولهذا الغرض، قامت وزارة الصحة الاتحادية بتقسيم شبكة المستشفيات المدنية إلى أربعة أقسام، يضم كل قسم مجموعة من العيادات التي يمكن تخصيصها لاستقبال الجرحى في حال وقوع أزمة كبرى.

أجواء ما قبل العاصفة

وفي سياق التصعيد المتبادل وجهت النيابة العامة الألمانية إلى المشتبه فيها إيلونا تهم تتعلق بـ “جمع معلومات عن المشاركين في مناسبات سياسية رفيعة المستوى، والسعي إلى معلومات عن مواقع لصناعة السلاح ولاختبار مسيرات ولعمليات مقررة بهدف تسليم مسيرات لأوكرانيا”.

واستدعت ألمانيا السفير الروسي لتبلغه بقرار طرد دبلوماسي روسي يشتبه في ضلوعه في قضية مواطنة ألمانية أوكرانية أوقفت بتهمة التجسس، بحسب ما أعلنت السلطات الألمانية. وقالت وزارة الخارجية الألمانية إن “الحكومة الألمانية لا تتسامح مع التجسس داخل ألمانيا، ولاسيما عندما يُمارَس تحت غطاء الصفة الدبلوماسية”.

وأضافت أنها استدعت السفير الروسي وأبلغته بقرار طرد الشخص المعني الذي ثبت أنه مارس أنشطة تجسسية لصالح روسيا.

من جهتها، أعلنت السفارة الروسية في برلين في تصريح لوكالة فرانس برس أن روسيا تعتزم الرد على الخطوة الالمانية، واصفة ما جرى بأنه “استفزاز سخيف” و”ذريعة لتدهور أكبر في العلاقات الروسية الالمانية”.

وابلغت السفارة الروسية وزارة الخارجية الألمانية أن “الخطوات غير الودية من جانب برلين لن تبقى من دون رد”.

وفي وقت لاحق، أوضح متحدث باسم وزارة الدفاع الألمانية أن المرأة المذكورة يشتبه في أنها سلمت السفارة الروسية معلومات حصلت عليها من مسؤولين سابقين في الجيش الألماني، هما ضابط سابق في هيئة الأركان تقاعد أخيراً ومسؤول رفيع سابق غادر الجيش قبل 15 عاماً.

وجرت عمليات دهم في براندبورغ شرق ألمانيا وفستفاليا غرباً وميونيخ جنوباً على صلة بالرجلين اللذين لا يزالان متواريين.

وتعتبر ألمانيا داعم رئيس لأوكرانيا في أوروبا، وسبق أن أعلنت تعرضها لسلسلة من حملات التجسس والتخريب والتضليل الإعلامي بتخطيط من روسيا.

والشهر الماضي، استدعت ألمانيا السفير الروسي احتجاجا على اتهامات لروسيا بزيادة كبيرة في الأنشطة الهجينة التي تقوم بها، وتنفيذ هجمات سيبرانية استهدفت نظام حركة الملاحة الجوية في صيف 2024، وحملة تضليل خلال الحملة الانتخابية للبرلمان الألماني (بوندستاغ) قبل أشهر.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية حينها إن برلين استدعت سفير روسيا إلى مقر وزارة الخارجية بسبب تلك الهجمات التي تتعرض لها بلاده من قبل موسكو.

وقال المتحدث في مؤتمر صحافي إن الهجوم الذي وقع في أغسطس/آب 2024 ضد أنظمة المراقبة الجوية الألمانية يمكن ربطه بوضوح بمجموعة القرصنة الروسية “فانسي بير”، مشيرا إلى أن “المعلومات الاستخباراتية تثبت مسؤولية جهاز الاستخبارات العسكرية الروسي عن هذا الهجوم”.

وعادة ما ينفي الكرملين على الدوام نيته تهديد أمن الأوروبيين الذين يتهمهم في المقابل بالسعي إلى تدمير روسيا.

غرينلاند

في أعقاب تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضم جزيرة غرينلاند، والعملية العسكرية التي شنها في فنزويلا، تجد أوروبا وحلف شمال الأطلسي “الناتو” نفسيهما في مواجهة تحدٍ جديد، يتمثل في البحث عن سبل لثني الزعيم الجمهوري عن تنفيذ مخططه لضم الجزيرة، التي وصفها سابقاً بأنها “ضرورة للأمن القومي” الأمريكي.

وتضع هذه التوجهات الأمريكية الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو في موقف بالغ الحساسية، كون غرينلاند – التي تتمتع بحكم ذاتي واسع – هي جزء من مملكة الدنمرك العضو في كل من الاتحاد الأوروبي والناتو، وبالتالي فهي مشمولة بحماية الحلفين.

ومع أن بروكسل نددت رسمياً بتصريحات ترامب، وأكدت على سيادة غرينلاند وسلامة أراضيها، إلا أن التحركات العملية للاتحاد أو الناتو ظلت محدودة لحماية غرينلاند، في وقت حذرت فيه رئيسة وزراء الدنمرك، ميت فريدريكسن، من أن أي محاولة لضم الجزيرة قسراً ستكون بمثابة “نهاية لحلف الناتو”.

إلى جانب ما ذُكر، يعتقد خبراء أن كل الخيارات السابقة تتطلب وقتاً طويلاً وقد لا تكون كافية. ويقترحون نشر قوات أوروبية في غرينلاند كإشارة واضحة على الالتزام بحماية سيادة الجزيرة.

ورغم أن هذا الإجراء لن يمنع الضم الأمريكي بشكل قاطع، إلا أنه سيعقد عملية التنفيذ ويرفع تكلفتها السياسية والعسكرية على واشنطن.

وقد أجبرت هجمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الكلامية  أوروبا على تسريع خططها الدفاعية لما بعد أمريكا، في مستقبل لم تعد فيه واشنطن الضامن الأمني الرئيسي، ويتعين على أوروبا تنظيم دفاعها بنفسها أسرع بكثير مما كان متوقعًا، حسب بولتيكو الأمريكية.

يستعد قادة الاتحاد الأوروبي، لتراجع الدور الأمريكي، إذ أجروا بالفعل تجارب عملية لنظام أمني بقيادة أوروبية، وسعى “تحالف الراغبين” غير الرسمي، بقيادة المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، إلى وضع القرارات المتعلقة بأوكرانيا.

في الوقت نفسه، يبحث صانعو السياسات في الاتحاد الأوروبي سبل تعزيز التنسيق من خلال قوة التدخل السريع المشتركة بقيادة المملكة المتحدة، أو من خلال السعي إلى تعزيز “الركيزة الأوروبية” داخل حلف الناتو — وهي فكرة لطالما دعمتها باريس، وتكتسب الآن زخمًا في برلين.

ومع اعتراف ضمني بعجز القارة عن الدفاع عن نفسها دون المظلة الأميركية.. هذا الموقف يعكس تصدعا متزايدا في تماسك العلاقة عبر الأطلسي.. ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الشراكة الغربية..

بكل الأحوال هذا الموقف ومواقف أخرى لا شك تؤكد هشاشة النموذج الأوروبي الحالي واعتماده البنيوي على واشنطن كما يعزز السردية القائلة بأن أوروبا في غياب القيادة الأميركية ستواجه فراغا استراتيجيا يضعف قدرتها على لعب دور مستقل في النظام الدولي الحالي والقادم ..