قطر تفقد ثقلها الدبلوماسي

إبراهيم بدوي /

بلا ضجيج ولا مواجهة معلنة، ترسم السعودية ملامح معادلة جديدة في المنطقة بدأت تكتسب زخما مع اتفاق تاريخي مع إيران أنهى سبع سنوات من القطيعة الدبلوماسية وأسس للتحول جذري من الخصومة إلى التعاون سواء لجهة حل الأزمات في المنقطة أو لجهة تعزيز التعاون الاقتصادي، لتلتفت بعدها إلى إنهاء 12 عاما من عزلة سوريا عربيا، لتتوج مسارا انطلق قبل بضعة أشهر بحضور الرئيس السوري بشار الأسد القمة العربية في جدة التي تنطلق أشغالها غدا الجمعة. 

وعزز هذا التوجه النفوذ السعودي بينما تطبق المملكة سياسة جديدة تعتمد على مبدأ تصفير المشاكل والتركيز على مشاريع ضخمة وانفتاح أوسع إقليميا ودوليا بما يخدم إستراتيجية التحولات الاقتصادية.

سياسة قطر تتوارى

وفي المقابل بدا لافتا أن قطر انكفأت دبلوماسيا، فيما تتحرك السعودية على أكثر من جبهة لتعزيز حضورها دبلوماسيا في أكثر من ملف.

ويسلط ترحيب جامعة الدول العربية بعودة الرئيس السوري بشار الأسد الضوء على الانتكاسة التي مُنيت بها مساعي قطر لتكون صوتا دبلوماسيا له ثقله في الشرق الأوسط.

ففي وقت سابق هذا الشهر، سحبت قطر على مضض معارضتها لمبادرة السعودية لإعادة سوريا إلى صفوف الجامعة العربية، موضحة أنها تعارض عودة العلاقات إلى طبيعتها مع دمشق لكنها لن تقف في طريق الإجماع العربي.

وكان الاستياء الذي أصاب البعثة الدبلوماسية لجماعة سورية معارضة في الدوحة والتي تعتبرها قطر السفارة الرسمية لسوريا لديها، تذكيرا واضحا بتغير التوجهات. وقال بلال تركية القائم بالأعمال لدى البعثة لرويترز “قطر لم تقبل هذا القرار لكنها لم تقف في طريقهم”.

ويرى محللون أن التغير في موقف الدوحة بشأن سوريا مؤشر على تراجع محتمل عن سياستها الخارجية الإقليمية التي اتسمت بالطموح ذات يوم، لتجنب إثارة حفيظة السعودية أقوى جيرانها.

كما أن بقاء الموقف القطري على حاله كان يمكن أن يسبب شروخا في العلاقات مع السعودية التي شكل اتفاقها التاريخي مع إيران انعطافة مواقف بما يعزز الدبلوماسية الجديدة للملكة القائمة على سياسة تصفير المشاكل.

وكان لافتا أن الرياض التي كان يوم ما من داعمي المعارضة السورية شأنها في ذلك شأن دول خليجية أخرى، تحركت باتجاه إعادة سوريا للحضن العربي ضمن قناعة أنه لا يمكن ترك الساحة السورية فريسة للتدخلات الأجنبية وأن لا حل للأزمة اذا استمر العرب في تجاهل بشار الأسد.

وحضر الأسد قمة الجامعة العربية في جدة غدا الجمعة للمرة الأولى منذ 12 عاما، في دلالة قوية على انتهاء العزلة الإقليمية التي فُرضت عليه بسبب الحرب الأهلية.

الدرس السابق

قطر لا ترغب في لعب أي دور معوق من شأنه أن يجازف بإغضاب القيادة في الرياض والعواصم العربية الأخرى”. وتعمل الدوحة على إصلاح العلاقات مع السعودية ومصر والإمارات والبحرين.

وفي أوائل عام 2021، اتفقت تلك الدول على إنهاء مقاطعتها لقطر التي استمرت ثلاثة أعوام ونصف العام بسبب اتهامات بدعم الإرهاب – في إشارة إلى الحركات الإسلامية- وهو ما تنفيه الدوحة.

وثار غضب جيران قطر نتيجة دعمها لجماعات إسلامية متطرفة في سوريا وكذلك في مصر وليبيا في أعقاب انتفاضات الربيع العربي عام 2011.

وبفضل ثرواتها من الغاز الطبيعي، لعبت دورا كبيرا في الشؤون العالمية. وتستضيف الدوحة قوات أميركية وتمول شبكة الجزيرة الإخبارية ذات التأثير الكبير وتتوسط في عدة نزاعات.

وقال دبلوماسي غربي في الدوحة إن الدولة الخليجية تعطي الأولوية لعلاقات طيبة مع جيرانها لاسيما السعودية، مضيفا “هذا يجعلهم حريصين على تجنب التورط في مواجهات إقليمية وهذا هو السبب وراء تراجع مشاركتهم سواء في اليمن أو في السودان”.

وعندما سمحت قطر للمعارضة بفتح سفارة لديها في عام 2013، كانت الدوحة المخطط الرئيسي للتوافق العربي المتزايد الذي أدى إلى عزل الأسد وتعزيز الدعم لخصومه.

ويقول الخبير في الشؤون السورية ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، إن الدوحة وواشنطن عملتا معا في مسعى لتنظيم جهود دولية مناهضة للأسد وتقديم بديل له.

واعتبرت الدوحة الائتلاف الوطني السوري حكومة في المنفى ومنحته مقعد دمشق في الجامعة العربية وفتحت بعثة دبلوماسية في الدوحة في فيلا قريبة من السفارات الأخرى.

قناة الجزيرة دقت “طبول تغيير النظام” ببث مجموعة من مقاطع الفيديو لقوات الأمن التابعة للأسد وهي تهاجم المتظاهرين. وبدأت عدة دول خليجية في دعم جماعات معارضة تقاتل للإطاحة بالأسد.

افترضت قطر أن الحرب الأهلية ستؤدي إلى الإطاحة بأسرة الأسد، وهو ما لم يحدث”.

واستعاد الأسد السيطرة على جزء كبير من سوريا بمساعدة إيران وروسيا، لكن مئات الآلاف قُتلوا في الحرب وفر الملايين من البلاد التي لا تزال ممزقة واقتصادها في حالة يرثى لها.

إنه مع خسارة المعارضة لأراض في سوريا “غيرت السعودية والإمارات سياساتهما بشكل كبير، لكن قطر لم تفعل ذلك”.

وعارضت الدوحة في البداية جهود السعودية هذا الربيع لحشد الدعم لإعادة قبول سوريا في الجامعة العربية بعد تعليق عضويتها عام 2011.

لكن بعد ثلاثة أسابيع، وافقت قطر على قرار الجامعة بعودة سوريا لشغل مقعدها. وقالت وزارة الخارجية إنها لا تريد أن تكون عائقا في سبيل الإجماع العربي، موضحة أنها لن تعيد العلاقات مع حكومة الأسد، وهي خطوة تقول إنها مرتبطة بتحقيق تقدم في الحل السياسي.

لكن محللين يتساءلون إلى متى يمكن للدوحة أن تظل على موقفها، بينما تدرك الدوحة جيدا أنها خسرت، لكنها تريد أن تكون آخر دولة تطبع العلاقات مع سوريا.

.